الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٩إنَّ مِنْ معاني "الذكر" في اللُّغةِ: جَرْيُ الشَّيْء على لسانك (1). وهذا بمعنى النُّطقِ الذِي
أشار إليه الشَّارِحُ في النَّص سالفا. والإِعْلانُ: المُجاهرة (2)، وعلى هذين المعنَيَيْنِ اللُّغوِيَّيْنِ اللذين عَبَّر عنهما الشَّارِحُ بقوله: "على ظاهِرِه بَنَى أطفِيَّش قراءته للبيت على حذف المضاف "دال"، فاللفظان "إعلان" و "ذكر" ينتميان إلى نفس الحقل الدال على النّطقِ مع اختلاف في كيفِيَّتِهِ، فَأَجَازَ بذلِكَ القراءة على حذف المضاف.
لقد أعطت ثنائية الحقيقة والوضع اللُّغوِيّ المجاز إمكانية قراءة ألفاظ البَيْتِ على القراءتين، وهذا ما يدرسُهُ علم الدّلالة في مبحث تغير المعنى أو انتقال الدّلالة والذي يكون في صور مختلفة: التضييق والاتساع والانحطاط والرُّقي. ومن وسائل هذا التغير أو الانتقال المجاز المرسل والاستعارة والكناية، ومن الناحية النَّحوِيَّة يعتبر إقامة المضاف إليه مقام المضاف؛ أي تحمّل المضاف إليه دلالة المضاف فصلا من فصول هذا التغيير. وفي قوله في شرح البيتِ التّالي يتجلَّى وَجْهٌ مِن أوجُه اختلافِ دلالة الإضافة بالنظر إلى التركيب الذي سيقتْ فِيهِ:
وَخَيْرَ نَبِيءٍ جَاءَ مِنْ خَيْرٍ عَنْصر بِخَيْرٍ كِرَامِ هَدْيُهُم خَيْرُ قُرْآنِ قال: «فَقَدْ اخْتَارَ خَيْرَ الأَنْبِقَاءِ غَيْره الذي لَهُ أَفْضَلُ خَيْرٍ وأَفْضَلُ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ يُقْرَأُ، وَلَهُ صَحَابَةٌ كِرَامٌ وفَضَلَ عَلَيْهِ نَبِيقُنَا، وعَلَى أَصْحَابِهِ وخَيْرِهِمْ وَهَدْيِهِمْ صَحَابَةُ نَبِيئِنا وسِيرَتُهُم وهَدْيُهُمْ، وَعَلَى كِتَابِهِ كتَابُ نَبِيئِنَا الله، فخَيْرُ سَائِرِ الكُتُبِ التَّوْرَاةُ غَيْرِ القُرْآنِ، والقُرْآنُ أَفْضَلُ مِنْهَا. وَهَذَا عَلَى أَنَّ جَاءَ نَعْتُ نَبِيءٍ"، ويَجوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتَ "خَيْر" فَيَكُونُ "خَيْرِ كِرَامِ" مَا لِخِيَارِ هَذِهِ الأُمَّة والصَّحَابَةِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ والدِّينِ، ويَكُونُ الْكِرَامُ الصَّحَابَةُ أَوْ أَهْلُ التَّقْوَى وَالعِلْمِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ. والْخَيْرُ المضَافُ لِلْقُرْآنِ هُوَ القُرْآنُ المَنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنا
(1) لسان العرب (ذكر).
(2) (م، س) (علن).
176