الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٢بي
""
هُمَا لَعبَا مِثْلَ مَا لَعِبَ الطِلا بِعَطْفَيْ صَبُوءٍ ذِي انْعِطَافِ وَصِبْيَانِ قال أطفيش: «وَصَبُوءٍ: بِفَتْحِ الصَّادِ، مُبَالَغَةٌ فِي المَيْلِ. وَصِبْيَانُ": مَعْطُوفٌ عَلَى مَصْدَرِ لَعِبَ، عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ؛ أَيْ: وَلَعِبِ صِبْيَانٍ» (1).
يُصوّر البيتُ أفعال النَّفْسِ والشَّيطان فِي النَّاظمِ، ومعاناته التي يلقَاهَا مِنهُمَا، واستعانَ
تنم عن
قلة
العقل وسوء
لتمثيل هذه المعاناة في هذا البيتِ بحال الصبيان والسَّكران لاشتراكهما في أداء أعمال التصرف؛ فالصّبيان من الأصل "صبي" الذي من معانيهِ صِغَر السن (2)، وفي صغرِ السّن صغرُ العقل وقلة النظرِ في عواقب الأمور، يتمثل ذلك في جريهم ولعبهم وما يقومون به من أعمال قد تؤدّي بهم إلى الهلاكِ كاقترابهم مِن النَّارِ، وكلعبهم قربَ الحواف دون استشعار لخطر السقوط.
لقد اعتمد الشارح في تقدير المحذوف على أساليب اللغة فيما تقتضيه من تركيب، أعني أَنَّهُ يُسقِطُ التَّركيب المشروحَ في عملِيَّةٍ ذهنِيَّةٍ على القوالب المستنبطة من الكلام العربي، وما يصطلح عليه بـ"أصل الكلام؛ ليستطيع استخراج ما أمكنه من معاني التركيب المختزنة في رصف الكلمات في الجملة. فالأصل في العطف تكافؤ المعطوفين وتشاركهما؛
لذلك اقتصر باللعب على غيره من الألفاظ لسبق ذكرِهِ في التّركِيبِ.
وفي قول الناظم: وَسَاوَةُ قَدْ سِيئَتْ بِغَيْض بُحَيْرَةِ وَقَدْ خَمَدَتْ لِلْفُرْسِ نَارٌ كَصُلْبَانِ قال: "سَاوَةُ: بَلْدةٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: أَهْلُ سَاوَةَ سَاءَتْ بِنَضْبِ مَاءِ بَحْرٍ صَغِيرٍ فِيهَا، أَيْ: ذَهَابُ مَائِهِ … و"كَصُلْبَانِ": أَيْ كَحُمُودِ صُلْبَانٍ، فَإِنَّ تَنَكُسَهَا شَبِيءٌ بِحُمُودِ النَّارِ، والْحُمُودُ الْمَذْكُورُ لِلنَّارِ حَقِيقَةٌ، والْحُمُودُ الذِي حُذِفَ وقُدِّرَ لِلصُّلْبَانِ مَجَانٌ» (3). يعتمدُ في التَّقدِيرِ أيضا على مقتضيات أسلوب العطف والتقابل بين المعطوفَيْنِ، ثُمَّ عقَّبَ على
(1) إجابة الدعوة [4 و] و [4].
(2) مقاييس اللغة (صبي). (3) إجابة الدعوة [98 و] و [98].
179