الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٦وما ميَّز هذه الأخبار أيضاً تضمّنها مَجْمُوعة من الأشعار والأرجاز والأسجاع. وبهذا تضافُ إلى بنيتها السَّردِيَّة البنية الفنّيَّة لهذهِ النُّصوص، ممّا يحقق المتعة والإفادة المطلوبة. ولم يكُنْ إيراد مثل هذه النصوص من أطفيش في الكتاب، بدعاً، وإنَّما ورد ذلك في الكتب المتقدّمة، والمتأخّرة، حتّى شكلت مظهراً من مظاهر التأليف الأدبي التاريخي.
جمعَتْ هذه الرّوايات غايةَ المؤلّف في تعضيدِ مواضيعه المطروقة في كتابه؛ ليجمع بين الطرفة والمتعة والإفادة حتّى لا يمل قارِئُ الكتابِ، ولا تأخذه الرتابة. ولتحقيق غاية الإفادة كانَ أطفِيَّش يُتبعُ بعض هذه الأخبارِ بشرح جملة من مفرداتها ومعانيها؛ كقوله في حدِيثِ حليمة السعدِيَّة والنَّسْمَةُ: الشَّخصُ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى. وسَجَدَت الأَتَانُ شُكراً بِإِلْهام مِنَ اللهِ تَعَالَى وَ ل. وفِي كَوْنِ السُّجودِ ثَلاثاً إِشَارَةٌ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ للهِ تَعَالَى، وإلا فالشُّكْرُ حَصَلَ بوَاحِدَةٍ … » (1). وقوله في شرح قول حليمة أيضا: "أحرص شَيْء": «أَيْ: أَحْرَصَ على مكثِهِ، حِرْصاً أَعْظَمَ مِنْ حرص كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُحِبُّهُ، فَهَذَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِن أَنْ تَقُولَ أَحْرَص النَّاسِ» (2).
ويمكن أن نضيف في سياق الحدِيثِ عن هذه المرويّات اصطباغها بالعجائبية والغرائبيَّة، تتَجَلَّى خاصَّةً فِي الشَّخصيّات التي تنتمي إلى عوالم مختلفة، وكذلك كيف أمكن نقل تلك الأحداثِ وتسجيلها. ومن ذلِكَ هذا النّصّ الذي لم أقف عليه إلّا في كتاب "تاريخ الخميس" للدّيار بكري الذي يَتَحَدَّثُ فِيهِ عن لقاءٍ بين الإنس والجن، يورده أطفيش في معرض الحدِيثِ عن الأخبار التي جاءت في الكتب عن مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حوار بين امرأة اسمها "عفيراء" والملكِ مَرْثَدِ بن عَبْد كَلَالٍ: «يا عُفَيْرَاءُ فَمَا تِلْكَ الرُّؤْيَا؟ قَالَتْ: رَأَيْتَ أَعَاصِرَ رَوَابِع بَعْضُهَا لِبَعْضٍ تابع، فِيهَا لَهَبٌ لامع، وَلَهَا دُخَانٌ سَاطِعِ، يَقْفُوهَا نَهْرٌ مُتَدَافِع، وَسَمِعْتَ فِيمَا أَنْتَ سامع، دُعَاء ذِي جَرسٍ صَادِعِ، هَلُمُّوا إِلَى المَشَارِعِ، رَوْي
(1) إجابة الدّعوة [112].
(2) (م، س) [113].
193