إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١١

المرسل / الاستعَارَةِ الَّتِي وظَفَها أطفِيَّش، وشكّل بها توصيف الترميز الذي مكَّنَ مِن الرّبطِ

بين الدّالِ اللفظي والمدلول المعنوي.

المجاز المرسل والاستعارة شكلان من أشكال إخراج اللفظ عن ظاهره إلى مرادٍ خفيّ؛ يحتاج الوقوف عليه إلى نظر وانتباه. ويُشكّل هذا الملحظ المشترك بين المجاز المرسل والاستعارة لحظة التلاقي الذي ينطلق منها لتحدِيدِ أيهما المقصود. وقد ظهر بحثُ الشارح في هذا التَّحدِيدِ جَلِيّا، مِنْ خِلالِ تشخيصه للعلاقتيْنِ المختلفتين اللتين تصبغان الإجراء إما بالاستعارة وإمّا بالمجاز المرسل (1). وما الاختلاف في تحديد العلاقة الرابطة بين الملفوظ والمدلول، إلّا وجْهٌ مِن أَوْجُهِ الاجتهادِ في توصيف هذا الترميز وإظهار أركانه. ومِنْ خِلَالِ شَرحِ البَيْتِ الموالي يتبيَّنُ إقراره للحدودِ الفاصلة بين الاستعارة والتخييل،

رغم اشتراكهما في الصيغة التركيبيَّة اللَّفظِيَّة، إلّا أنَّهُ بينهما فارقٌ مَعْنوِي دَقِيقٌ: تَنَوَّرْ بِهَا وَاقْصِدْ بِذُلُّ فَإِنَّهَا تُقِيلُ بَنِي الزَّلاتِ مِنْ حَرٌ نِيرَانِ قالَ: "بَنِي": بِمَعْنَى أَصْحَاب؛ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الِابْنِ مُلَازَمَةَ الأَبِ وَالأُمِّ، فَأَصْحَابُ الزَّلَّاتِ فِي مُلَازَمَتِهِمْ إِيَّاهَا كَالأَوْلَادِ فِي مُلَازَمَتِهِمْ الْآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ. فَأَعَارَ بَنِي لِأَصْحَابِ، وَالقَرِينَةُ: الزَّلَّاتُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَهُمْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ بِمَنَ وَلَدَتْهُ الزَّلَّاتُ، لَوْ كَانَ فَهَذَا

تَخْيِيلٌ وَشَبَّهَ الزَّلَّاتِ بِالأُمَّهَاتِ وَرَمَزَ إِلَى ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الأَبْنَاءِ» (2).

لقد أخرج الشارح ألفاظ البيتِ

من

الدلالة الحقيقية إلى دلالة مجازِيَّة، مِنْ خِلالِ

القرائن الدَّالَّة على هذا الإخراج، تماشياً مع الغَرَضِ المراد إيصاله مِنْ نَظم البيتِ الخاص به. إنّ إقامة علاقةٍ بَيْنَ لفظَيْنِ ينتميان إلى طبيعتين مختلفتين، نبهت ذهن الشارحِ من أجل

(1)

من

في النَّص إشارة إلى بناء المجاز على المجاز، ويعني به انتقال اللفظ دلالة حقيقية إلى دلالة مجازية، ثم ينقل مرة أخرى إلى دلالة مجازية ثانية. ينظر: كشف الكرب، 302/ 1. وقد مثل لذلك بلفظة "سر" في قوله تعالى: لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرا} [البقرة: 235] بمعنى عقدا. وبين الفرق بينه وبين المجاز بمرتبتين الذي لا يقتضي استعمال اللفظ في النَّقلِ الأَوَّلِ. (2) إجابة الدعوة [24 ظ].

208