الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٣ناشِئَةٍ مِن اعْتِدَالِه، كأنّها أخَذَتْ مِنْه، والقَصْدُ المَبَالَغَةُ في كَمَالِهِ حَتَّى صَلُحَ لِأَنْ تَأْخُذَ الغمَامَةُ منْهُ ثُمّ تُظِلُّه، فلا يعترضُ عَلَيْهِ بأَنَّ كلامَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَمْثِيلٌ، فَيُخَالِفُ مَا شُوهِدَ مِنْ تظليل الغمامة» (1). يعني أنّ قصْدَ المبالغة لا ينفي حدوث تظليل الغمامة للنَّبِيء، فيُقالُ
إن ذلك تمثيل لكماله وإن لم يقع.
ويستعمل لفظ "التمثيل" الغَرَض آخر، وهو خارج عن الاصطلاح البلاغي، وإن كان يشاركه قصد الإفهام (2)، نلمسه في قوله: "شَاة" و"شارف": بِالْإِفْرَادِ والتَّنْكِيرِ تَمْثِيلٌ بِالوَاحِدَة، أو اسْتَعْمَلَ النَّكِرَةَ فِي الْعُمومِ الشُّمُوليّ معَ الإِثْبَاتِ علَى القِلَّةِ» (3). يقصد به العيّنة التي يصدق الحكم عليها وعلى جميع جنسها. وفي قوله: «وحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْجِنُّ يسْتَمِعُونَ الْوَحْيَ، فَيَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَزِيدُونَ مَعَهَا عَشْراً أَيْ: بَعْضُ يَزِيدُ عَشْرًا، وبَعْضُ مِئَةً مثلاً، وتَارَةً تَكُونُ الزِّيَادَةُ عشرًا وتارةً أَكْثَرُ، بَلْ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ، فَقَدْ يَزِيدُون أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ أَوْ
مِنْ مِئَة» (4).
وسوق المثالِ فِي النّصّ السَّابِقِ على ارتباط العسر البدنى بالتيسير والشّفاء، يماثله اليُسر المقرون بتعشرِ التَّقوى وإتيان الأعمال الصالحة هذه المماثلة لا تعني استلزام العسر البدني لعسر التزام التَّقوى والأعمال الصالحة، رغم أنَّ النّاظِمَ دَلَّ عَلَيْهَا بِرَبِّطِ نحولِ الجسم بالذُّنوبِ وهجران التّوبة، فإعمال الكناية لا يقتضي وجود المكنَّى به حقيقة (5)، وإنما غرضها إثبات المكنّى.
(1) إجابة الدعوة [137 و]. وينظر النَّصان: [228 و] و [234].
(2) يعضُدُ هذا قوله وأَيْضاً لَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ بما يَسْهُلُ فهمُهُ". إجابة الدعوة [74 و] وقوله «وإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَمْلَأُ الطَّسْتُ بِالْإِيمَانِ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ تَمْثِيلٌ مَجَازِي أَوْ تَمْثِيلُ الْمَعَانِي، وَقَعَ كَثِيراً، وَأَجَازَ قَوْمُنا تَجَسُّدَ الْمَعَانِي، وجعَلُوا مِنْهُ تَمْثِيلَ الْمَوْتِ بِالْكَبْشِ وَوَزْنَ الْأَعْمَالِ، وفَائِدَتُهُ كشفُ الْمَعْنَوِي بِالْحِسي». (م) س) [212]. (3) (م، س) [111].
(4) (م، س) [106]. وفي نص آخر مشابه لهذا يقول «وَخَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ تَمْشِيلٌ لأنَّه لا أَوَّلَ لِعِلْمِ اللهِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ كتب فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وأَنَّهُ خلق قَبْلَ السَّمَاوَاتِ» (م، س) [95].
(5) صرح بذلك أطفِيَّش بقولِهِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الكِنَايَةِ وَجُودُ المَعْنَى المَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ» (م، س) [18].
رغم ورودِ مصطلح "الكناية" أكثر من عشر مرّأت في الكتاب بتصاريفه (كناية - كنّى - كنية) إلا أن نصوصه لم تتمخض بإشكال يعالج المفهوم بعمق. وعلى هذه الحال معظم المصطلحات البلاغية والفنية.
210