الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٤لا يقفُ التَّدقيق في استعمال المصطلح البلاغي على وجه واحد، فاختلاف المصطلحات وتعدّدها لا يستلزم تناقضها؛ وإنّما اختلاف دقيق يدعو إلى هجر مصطلح واستبداله بالذي يؤدّي المعنى المقصود بشكل أدق. فما كان قرن أطفيش بين المصطلحيْنِ (تمثيل، كناية) إلّا لاشتراكهما في عدم لزوم إرادة المعنى الموضوع له اللفظ، وإنّما الغايةُ هي ما يستلزمه. وفي شرح البيتِ الآتي سيتجلَّى وَجْهُ آخَرُ مِن التفريق بين المصطلحات البلاغيَّة. قال النّاظِمُ: فَقَامَ لَهُ جِبْرِيلُ فَحْلاً فَلَوْ دَنَا إِلَيْكَ لَأَفْنَاهُ بِأَيْسَر أَكْوَانِ قال أطفِيَّش وفَحْلًا": تَشْبِيةٌ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اسْتِعَارَةً [186] ولَوْ ذَكِرَ المُشَبَّهُ الذِي هو جبريل؛ لِأَنَّ المَرَادَ حَيَواناً فَحْلاً وحَيَوَان المُسْتَعَارُ لَهُ نَعْتُ "فَحْل" غَيْرُ مَذْكُورِ، عَلَى مُخْتَارِ السَّعدِ (1) فِي قَوْلِكَ: زَيْدٌ أَسَدٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ زَيْدٌ رَجُلٌ كَأَسَدٍ، فَأُعِيرَ أَسَدٌ لـ"رَجُل" وهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَذْكُورُ وهُوَ زَيْدٌ» (2). لم يصرف أطفيش العبارة "جبريك فحلاً" عن صيغةِ التَّشبِيهِ إِلّا لغاية توضيح الفرق بينه وبين الاستعارة، الكائِنِ فِي صَرْفِ اللَّفظِ عمّا وضع له إلى غيره لعلاقة المشابهة (3).
إنَّ مجيء العبارة على صيغة الإخبار بالحال لم تبعده عن صيغة التشبيه (4)، فأركانه واضحة، ولكن إرجاع "الفحل" إلى الحيوان، نبّه على سلوك الناظم مسلك الاستعارة في صورته، واستعمال لفظ "الجواز" تلميح إلى اختيار مبني على رأي غير متفق عليه، فصله
(1) سعد الدين التفتازاني صاحب شرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان.
(2) إجابة الدعوة [186 و] و [186 ظ].
(3) مما يضيء مفهوم التشبيه عند أطفيش قوله «ثم لا مانع من أن تُشبه الألفاظ مِن حيثُ إيصالها إلى المعاني بباب الأجسام من حيث إيصاله من ظاهِرٍ إلى باطن فقط، إذ لا يلزمُ في التشبيه أن يكونَ مِن كل وجه» شرح شرح أبي سليمان التلاتي على الأجرومية، أمحمد أطفيش [1 ظ].
(4) يقرُّ أطفيش أنَّ التشبية قد يقعُ لأدنى مقاربة، قال: «قُلتُ: يَكْفِي فِي التَّشْبِيهِ الاِشْتِرَاكُ فِي صِفةٍ ما، هِيَ هُنَا الشَّدَّةُ والقُوَّةُ، وهو المرادُ هُنَا [153 ظ] وفي الجُلجُلِ جِهَةُ طَنِين، وقَدْ قيلَ التَّنْفِيرُ والزَّجْرُ مِنْ أَجْلِهِ وَلَا طَنِينَ فِي الوَحْيِ، وَلَكُنْ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِمَا يَفْهَمُ السامعونَ». إجابة الدعوة [153].
211