الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٨وعلى المسْتَوَى الصرفي برزت مجموعة من النُّصوصِ، بَيَّن فيها الشّارِحُ إسهامَ صِيغِ الإفراد والجمع (1)، والتذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير في تأدية المعنى على حساب الصيغ المعدول عنها، رغمَ إمكان تحقيقها للوزن المطلوب. من
ذلِكَ قولُهُ فِي شرح
البيت:
وَعِنْدِي يَمِينٌ لَا يَمِينُ بِأَنَّ فِي يَمِينِكَ وَكْفاً حَيْثُ حَاجَةُ ظَمْآن قال: «"يَمينُ" الثاني: فعل مضارع مرفوع منْفِيٌّ بـ: لا؛ يُقالُ: مَانَ يَمِينُ أَيْ كَذَبَ يكْذِبُ. وجملَتُهُ معَ فاعِلِهِ المُسْتَتِرِ نَعْتُ لِ"يمين" الأَوَّل. والضمِيرُ فِيهِ عَائِدٌ إِلى الأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اليَمِينَ يُذَكَّرُ ويُؤنَّثُ، تقدَّمَ أو تأخَرَ، وكذا الإصْبَعُ واخْتَارَ التَّذْكِيرَ؛ ليَكُونَ الجِنَاسُ التَّامُ» (2). إن الانسجام الصوتي يحرز اختياراتِ النّاظمِ، ويوجّهُهُ إلى أخذِ ما يحقق ذلِكَ؛ طلباً للمتعةِ الفَنِّيَّةِ والدلالية التي تجسّدت في الجناس بين لفظتي "يمين" المؤدّيتين لمعنيين مختلفين. ولتأكيد هذا الاختيار ربط أطفِيَّش البيتَ بالذي قبله إشارة إلى كلمة "الإصبع" الذي تشترك مع "يمين" في إمكان التذكير والتأنيث معاً، فتتحقق بهذا مقصدِيَّة الناظم إلى إحداث هذا الانسجام الصوتي، باختيار التَّذْكِيرِ على التأنيثِ رغم عدم خرقِ أحدهما لوَزْنِ
البيت.
في توجيه بديع لقول الناظم:
تَنَوَّرْ بِهَا وَاقْصِدْ بِذُلُّ فَإِنَّهَا تُقِيلُ بَنِي الزَّلاتِ مِنْ حَرِّ نِيرَانِ يؤكد أطفيش دلالة البيتِ ويحقِّق مقصَدَهُ بإحاطة الإنسانِ العاصِي يوم القيامة بالنيران من كل جانب، لا يشترك معه في عذابه أحدٌ، وكأنَّ النّارَ قد أعدها الله له وحده. قال: وَجَمَعَ النَّارَ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ شَقِيّ جُزْءاً مِنَ النَّارِ هُوَ نَارٌ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِيرَانٌ، فَإِنَّ النَّارَ الْوَاحِدَةَ لَهَا أَجْزَاءُ كُلُّ جُزْءٍ هُوَ نَارٌ، وَأَيْضًا تَتَّقِدُ مِنْهُ نِيرَانٌ مُتَعَاقِبَةٌ» (3). لم يُمكن للناظم استعمال صيغة الإفراد؛ لتقيده بقافية النُّونِ، وهذا القيد أعطى دلالةً إضافية اقتنصها الشارح وبين ظلالها على المعنى العام وخدمتها لمقصدِ النّاظم.
(1) إجابة الدعوة [91]. (2) إجابة الدعوة [162].
(3) (م) س) [24].
215