الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦أيضا منتشر في الكتب اللُّغوِيَّة، أن يذكُرَ الشّاهِدَ غير منسوب إلى شخص معروف، كقوله:
كَمَا قِيلَ: اشْتَدِي أَزْمَةُ تَنْفَرِجي» (1)، و «قَالَ الشَّاعِرُ: [الطويل]
فَلَا تَجْزَعًا إِنْ أَظْلَمَ الدَّهْرُ مَرَّةً فَإِنَّ اعْتِكَارَ اللَّيْلِ يُوذِنُ بِالْفَجْرِ (2) ينبئ عن كثرة تداول هذهِ الشواهد حتى غدَتْ كالمسبوكاتِ التي لا يُنظرُ إلى قائلها، ويشهد لهذا الانتشار استعمال العبارتين المبهمتين "الشاعر" و "قيل"؛ أي كأنه قالها غيرُ واحِدٍ، ويكفي فيه وصفُ الشّاعِرِ للدلالة على صحة الاستشهاد بقوله. ويعد الانتشار وكثرة الاستعمال من الأصول المعتمدة في إرساء القواعد اللغوية.
"1
-3 مَواطِن ورود الشَّاهِد في شرح نونِيَّة المديح:
لقد كان البحث الدّلالي من أبرز المَواضِعِ التي حضر فيها الشاهد اللغوي بكثافة، ومن تطبيقاتِهِ حدِيثُ الشارح عن أسماء مدينة رسول الله، فكان يورد الشاهد الذي تضمن الاسم المقصود، ويبحث في المعنى اللُّغوي المأخوذ منه، وموافقته لأحوال مدينة رسول الله الله التي تسمت بذلك الاسم، كقوله: «وَطَيْبَةُ اسْمٌ لِمَدِينَةِ الرَّسُولِ. وَمِنْ أَسْمَائِهَا: طَابَةٌ وَطَيِّبَةٍ كَسَيِّدَةٍ وَطَائِبَةٌ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ كُلُّهُنَّ مَفْتُوحُ الطَّاءِ، وَالخَامِسُ مُطَيِّبَةٌ بِفَتْحِهَا أَيْضاً. وَقِيلَ: الذِي فِي البَيْتِ مَكْسُورٌ وَصُحِحَ. وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ طَابَ يَطِيبُ. وَصَعَ حَدِيثُ: ((إِنَّ اللهَ سَمَّى المدِينَةَ طَابَة)) (3)» (4). ويعكس هذا التوظيف رغبتَهُ فِي المحافظة على المعاني الأصلِيَّةِ التي تدلُّ عليها الألفاظ، صوناً لها من أي تغيير وتحريف، ومما يدخل
في إطار هذا التوظيف تحدِيدُ المعاني وتأكيدها وبيان مأخذها.
(1) قيل إن ذلك حديث عن رسول الله (الفردوس، الديلمي، حديث (1731)) وهو موضوع الألباني، ضعيف الجامع
حديث (862).
(2)
ربيع
الأبرار، الزمخشري،245/ 4 دون ذكر صاحب البيت وبرواية مختلفة، وفي المستطرف بنفس الرواية 72/ 2، دون ذكر
صاحب البيت أيضا.
(3) صحيح مسلم، حديث (1385).
(4) إجابة الدعوة [10 ظ].
223