الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨وقال أطفيش في نص آخر: «إِذْ: ظَرْفٌ؛ وَهِيَ التِي شَهرَ كَوْنُهَا لِلتَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ مِنْ عَرضِ، لَا بِوَضْعِهَا لَهُ فَمَعْنَى: أَكْرِمْ زَيْدًا إِذْ أَكْرَمَكَ، أَكْرِمْهُ وَقْتَ اتَّصَافِهِ بِالإِكْرَامِ، وَالاتِّصَافُ مُمْتَةٌ إِلَى وَقْتِ التَّكَلُّمِ وَمَا بَعْدَهُ، وَفِي ذِكْرِ الوَقْتِ مُضَافًا لِلإِكْرَامِ تَلْوِيحٌ بِأَنَّ العِلَّةَ إِكْرَامُهُ إِيَّاكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسى (1) أَيْ: اذْكُرْ وَقْتَ قَوْلِ مُوسَى لِقَوْلِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي هَذِهِ تَعْلِيلٌ، وَلَكِنْ مَا بَعْدَهَا المُرَادُ بِالذِّكْرِ» (2).
تقدّم هذه النماذج جملة من الملاحظ يمكن إيجازها في النقاط الآتية: أ- الفَهْمُ الصّحيح للشَّاهِد:
إنَّ بناء الاستدلال لا يقِفُ على استحضارِ النّصّ فقط، وإنما على إدراك مغزاه من خلال سنن العرب في أقوالها ومنطقها، حتى لا يستدل بالنّص في غير مقامِهِ، ويبرز هذا ردُّ أطفيش على قولهم: "فإِنَّ أَهْلَ النِّسانِ يَفْهَمُونَ" بأنّ ذلِكَ الترقي معتبر في مجال مشترك بين عيسى ال والملائكة، ولا يدلُّ على التفاضل إنَّ الطبيعة اللُّغويَّة للنّص تدعو إلى اعتبار المقامِ الذِي قِيلَ فِيهِ، واستحضارِ التَّفاصِيلِ التي تعِينُ على إدراك المراد منه، دون الجري وراء دلالات لا يحتملها النّصّ إلا لقصور في الفهم، فالطَّاهِرُ في الحدِيثِ لا تَدُلُّ إطلاقها على الإيمان؛ استنادا إلى أنّ الله وصف المشركين بالنَّجَسِ، وإنّما المقام يدعو إلى صرفها إلى نقاءِ النّسلِ مِن السّفاحِ والزّنا.
تحديد موضع الإشكال:
يبرُزُ اعْتِنَاءُ أطْفِيش بالنَّظرِ في محلّ الاستشهادِ في شروحه على الشواهد في غير هذا الكتاب (3). وما استقدام الدليل أو الشاهد إلا للاستنادِ عليه في رأي أو حكم، فأفضلية
(1) سورة البقرة: 54.
(2) إجابة الدعوة [5].
(3) ينظر مثلا: تسهيل الاجتهاد [3 ظ] و [39]، وثاني حاشية على شرح الداوي على الأجرومية [3 و] و [4 و].
225