الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨وَأَرَادَ بِفِعْلِ الخَيْرِ مَا يَشْملُ قَوْلَ الخَيْرِ، فَالمُرَادُ بِفِعْل الخَيْرِ العِبَادَةُ، وَالْأُذُنُ وَالعَيْنُ مِنْ أَبْوَابِهَا، إِذَا سَمِعَتْ مَنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ قَالَهُ، أَوْ رَأَتْ فِي الكِتَابِ مَنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ قَالَهُ أَوْ خَطَرَ عَلَى قَلْبِهَا قَوْلُ
طَاعَةٍ أَوْ فِعْلُ طَاعَةٍ، أَوْ يَجِبُ فِعْلُ كَذَا أَوْ قَوْلُهُ أَوْ يُسْتَحَبُّ، لَمْ يَتْرُكْهَا إِبْلِيسُ تَفْعَلُ أَوْ تَقُولُ. شَبَّهَ حُضُورَ فِعْلِ الخَيْرِ بِالخُطُورِ أَو السَّمْعِ أَو الرُّؤْيَةِ، بِمُرُورِ الشَّيْءٍ عَلَى الشَّيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْطُرُ أَوْ تَرَاهُ أَوْ تَسْمَعُهُ فَيَغِيبُ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا فِي الْحَافِظَةِ فَسَمَّاهُ مُرُورًا. وَفِي": عَلَى ظَاهِرِهَا، فَإِنَّكَ إِذَا سَمِعْتَ شَيْئًا أَوْ رَأَيْتَهُ، فَقَدْ تَحْصُلُ صُورَتُهُ فِي الْأُذُنِ وَالبَصَرِ بِوَاسِطَةِ القَلْبِ وَبِالعَكْسِ، أَوْ بِمَعْنَى البَاءِ الإِلْصَاقِيَّةِ.
وَانْثَنَى": عَطَفَ. وَأَبُو مُرَّةَ: كُنْيَةُ إِبْلِيسَ ولَكِنَّ المَرَادَ بِهِ مُطلَقُ الشَّيْطَانِ، تَسْمِيَةً لِلْمَأْمُورِ بِاسْمِ الآمِرِ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ هُوَ الآمِرُ لِلشَّيَاطِينِ بِالصَّرْفِ عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ.
وَلَيْسَ إِبْلِيسُ يَصِلُ الخَلْقَ كُلَّهُمْ بِنَفْسِهِ، بَل الأَكْثَرُ غَيْرُهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْنَدَ الانْثِنَاءَ وَالتَّنْيَ إِلَى إِبْلِيسَ، وَالمَرَادُ شَيَاطِينُهُ، إِسْنَادًا لِمَا لِلْمَأْمُورِ إِلَى الْآمِرِ.
وَجَرَّ "مُرَّةَ" بِالكَسْرِ وَنَوَّنَهُ، مَعَ أَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ يَسْتَحِقُ مَنْعَ الصَّرْفِ؛ لِلتَّأْنيثِ وَحِصّتِهِ فِي العَلَمِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ. وَبَعْضٍ يَصْرِفُهُ؛ [4] لِأَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ لاَ عَلَمٌ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَمَّا ثُمَّ جُعِلَ جُزْءَ عَلَمٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ الصَّرْفَ، كَمَا فِي هَذَا اللَّفْظِ، إِذَا قُلْنَا إِنَّ مُرَّةَ مِنْ أَوْلَادِهِ.
وَغَايَة": مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِيثْنِيهِ ثَنْيا عَظِيمًا جِدًّا. وَمُتَعَلَّقُ "انْتَنى" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: انْتَنَى عَلَيْهِ؛ أَيْ: عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ، أَو انْثَنَى عَلَيْهَا أَيْ: عَلَى النَّفْسِ. وَكَذَا مَعْمُولُ "يَثْنِيهِ"؛ أَيْ: يَثْنِي فِعْلَ الخَيْرِ
عَنْهَا، أَيْ: يَصْرِفُهُ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
10
إِلَى اللهِ أَشْكُو مَا أُلْاقِيهِ مِنْهُمَا وَلَيْسَ لِغَيْرِ اللهِ أَظْهِرُ أَحْزَانِي أَشْكُو إِلَى اللهِ وَحْدَهُ، لَا إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا إِلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ مَا أُلاقِيهِ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ أَبِي مُرَّةَ. وَلَيْسَ الشَّأْنُ أَظْهِرُ أَحْزَانِي لِغَيْرِ اللهِ. فَالهَاءُ فِي مِنْهُمَا" عَائِدٌ إِلَى النَّفْسِ وَأَبِي مُرَّةَ. وَالضَّمِيرُ "ليْسَ لِلشَّأْنِ. وَ"أَحْزَانِي": جَمْعُ حُزْنٍ بِفَتْح الهَمْزَةِ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا
في مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
11
فَقَدْ عَدَلاً بِي عَنْ رَشَادِيَ وَالْهُدَى وَقَدْ نَزَلَا بِي فِي حَضِيضِ تَولَّانِي لِأَنَّهُمَا أَمَالَانِي عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَأَنْزَلَانِي فِي هُوَّةٍ تَوَلَّتْنِي.
7