إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١١

16

وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِإِنْسَانٍ نَفْسَهُ، أَظْهَرَ وَنَكَّرَ لِتَحْقِيرِ نَفْسِهِ هَضْمًا، وَتَضَرُّعًا إِلَى غَفَّارِ الذُّنُوبِ، وَسَتَّارِ

العُيُوبِ وَكَاشِفِ الكُرُوبِ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ. وَعَيْنِي كَمْ أَبْدَى لَهَا الدَّهْرُ عِبْرَةً فَلَمْ تَنْزَجِرْ إِذْ خَوْفُ رَبِّيَ أَعْيَانِي وَعَيْنِي كَمْ مَرَّةً أَظْهَرَ لَهَا اللهُ فِي الزَّمَانِ مَا تَنْتَقِلُ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ إِلَى تَوْبَةٍ، وَمِنْ قَسْوَةٍ إِلَى خُشُوعٍ، وَمِنْ كَسَلٍ إِلَى نَشَاطٍ فِي العِبَادَةِ، وَهُوَ زَوَاجِرُ القُرْآنِ وَالحَدِيثِ، وَكَلَامُ العُلَمَاءِ وَحَوَادِثُ الدَّهْرِ، وَنِقْمَاتٌ مِنَ العُصاةِ مُشَاهَدَة وَمَسْمُوعَة فَلَمْ أَنْزَجِرْ وَلَمْ أَعْتَبِرُ وَقْتَ خَوْفِ رَبِّي أَعْجَزَنِي [5] أَنْ أَنَالَهُ وَأَرْسَخَ

وَأَرَادَ بِالعَيْنِ جِنْسَهَا مِنْهُ، فَشَمَلَت العَيْنَيْنِ، أَوْ أَرَادَ الوَاحِدَةَ هَكَذَا، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الوَاحِدَةَ تَكْفِي في الاعْتِبَارِ، فَكَيْفَ اثْنَتَانِ. وَتَمْيِيرُ "كُمْ" الخَبَرِيَّةِ مَحْذُوفٌ مَجْرُورٌ؛ أَيْ: كَمْ مَرَّةٍ، فَكُمْ: طَرْفُ زَمَانٍ لإِضَافَتِهِ إِلَى مَا جُعِلَ اسْمًا لِلزَّمَانِ، وَهُوَ مَرَّةٌ وَأَصْلُهُ المَرَّةُ، وَاحِدَةٌ مِنَ المُرُورِ.

وَأَبْدَى": أَظْهَرَ. وَالدَّهْرُ: فَاعِلٌ، وَإِسْنَادُ الإِبْدَاءِ إِلَيْهِ مَجَازَ عَقْلِيُّ مِنَ الْإِسْنَادِ إِلَى الزَّمَانِ،

كَقَوْلِكَ: صَامَ يَوْمُ زَيْدٍ، بِرَفْعِ يَوْمٍ. أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ؛ أَيْ: خَالِقُ الدَّهْرِ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ)) ((إِنَّ فَاعِلَ مَا تَسْنِدُونَ إِلَى الدَّهْرِ هُوَ اللهُ،

كَقَوْلِهِ تَعَالَى: طَيْرُكُم مَّعَكُمْ (2).

و " العِبْرَةُ: أَصْلُهُ التَّجَاوُزُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَأَطْلَقَهُ هُنَا عَلَى الشَّيْءِ المَتَجَاوَزِ عَلَيْهِ. وَالعِبْرَةُ زَاجِرَةٌ إِلَّا أَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَنْزَجِرْ لَهَا.

وَإِسْنَادُ الانْزِجَارِ إِلَى العَيْنِ عَلَى طَرِيقِ السَّلْبِ تَجَوُّزُ فِي الإِسْنَادِ، وَحَقِيقَتُهُ لِصَاحِبِ النَّظْمِ، وَذَلِكَ

مِنَ الإِسْنَادِ إِلَى الآلَةِ، وَإِلَى البَعْضِ الذِي لَهُ مَزِيَّةٌ فِي شَأْنِ هَذَا الإِسْنَادِ.

وَإِذْ: ظَرْفٌ وَهِيَ التِي شهر كَوْنُهَا لِلتَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ مِنْ عَرَضٍ، لَا بِوَضْعِهَا لَهُ؛ فَمَعْنَى: أَكْرِمْ زَيْدًا إِذْ أَكْرَمَكَ، أَكْرِمْهُ وَقْتَ اِتِّصَافِهِ بِالإِكْرَامِ، وَالاتِّصَافُ مُمْتَدُّ إِلَى وَقْتِ التَّكَلُّمِ وَمَا بَعْدَهُ. وَفِي ذِكْرِ الوَقْتِ مُضَافًا لِلإِكْرَامِ تَلْوِيحٌ بِأَنَّ العِلَّةَ إِكْرَامُهُ إِيَّاكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسى (3)

(1) صحيح مسلم، حديث (5).

(2) سورة يس: 19.

(3) سورة البقرة: 54.

10