الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢أَيْ: اذْكُرْ وَقْتَ قَوْلِ مُوسَى لِقَوْلِهِ. وَلَا يُقَالُ فِي هَذِهِ تَعْلِيلٌ، وَلَكِن مَا بَعْدَهَا المرادُ بِالذِّكْرِ. فَفِي البَيْتِ: خَوْفُ اللهِ أَعْيَاهُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَنْزَجِرْ، وَإِعْيَاءُ خَوْفِ
اللهِ إِيَّاهُ عِلَّهُ عَدَمِ الإِنْرِجَارِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
17
وَأُذْنِيَ لَا تَصْغَى لِخَيْرٍ كَأَنَّمَا لَهَا الوَقْرُ عَنْ ذِكْرٍ شَرِيفٍ وَقُرْآنِ وَأُذْنِي لَا تَسَتَمِعُ لِخَيْرٍ، وَهُوَ المَوَاعِظُ وَالزَّوَاجِرُ، وَإِنْ سَمِعَتْ فَلَا اسْتِمَاعَ، بَلْ سَمِعَتْ دُونَ أَنْ تَعْمَلَ إِلَى السَّمْعِ. فَهِيَ كَالْأُذُنِ الثَّقِيلَةِ السَّمْع فِي قِلَّةِ السَّمْع، إِذْ كَانَتْ لَا تَقْصِدُ السَّمْعَ، فَكَأَنَّمَا ثَقُلَ سَمْعُهَا عَنْ كَلَامٍ عَظِيمٍ يُسَمَّى ذِكْرًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَذْكُورٌ عِنْدَ المَلَائِكَةِ وَالمُؤْمِنِينَ، أَوْ أَنَّهُ مُذَكِّرٌ لِسَامِعِهِ. وَيُسَمَّى قُرْآنًا لِأَنَّهُ قُرِنَتْ آيَاتُهُ أَوْ جُمِعَتْ بَعْضُ بِبَعْضٍ، آيَةُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَهَا آيَةُ الكَافِرِ، وَآيَةُ الكَافِرِينَ بَعْدَهَا آيَةُ المُؤْمِنِينَ وَالمَرَادُ بِالأُذُنِ: جِنْسُ الأُذنِ الصَّادِقِ فِيهِ، فَشَمِلَ الْأُذُنَيْنِ مَعًا.
وَلَا تَصْغَى": لَا تَسْتَمِعُ، وَالوَقْرُ": ثِقَلُ السَّمْعِ، وَعَنْ ذِكْرٍ": مُتَعَلِّقٌ بِالوَقْرِ. وَالذِّكْرُ الشَّرِيفُ وَالقُرْآنُ: كِتَابُ اللهِ المعْهُودُ وَإِنَّمَا نَكَّرَهُمَا لِلتَّعْظِيمِ. [6] وَذَكَرَهُ بِاسْمَيْنِ لاِخْتِلَافِ مَفْهُومَيْهِمَا، وَلَوْ اتِّحَدَا لَمَا صَدَقَ؛ كَقَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدُ الشَّاعِرُ وَالكَاتِبُ؛ أَيْ: الجَامِعُ بَيْنَ الشَّعْرِ وَالكِتَابَةِ. أَوْ أَرَادَ أَنَّ أُذُنَهُ لَا تَسْتَمِعُ لِخَيْرٍ سَمَاعَ قُبُولٍ وَتَأَثْرٍ، وَإِن اسْتَمَعَ
اسْتِمَاعِ قُبُول وَتَأَثْرٍ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
18
فعير
وَلِي قَدَمٌ لَوْ قُدِّمَتْ لِظُّلامَةِ لَطَارَتْ كَنَسْرِ ذِي قُوا وَكَعُقْبَانِ وَلِي عَمَلٌ صَالِحٌ، لَوْ أُحْضِرَ مِنْ أَجْلٍ ظُلَامَةٍ ظَلَمْتُهَا غَيْرِ [ي] لِيُجَازَى بِهَا عَنْ ظُلَامَتِهِ لَطَاشَ وَلَمْ يَفِ بِهَا، كَمَا يَطِيسُ مِنَ الأَرْضِ مَثَلًا بِالطَّيَرَانِ، نَسْرٌ صَاحِبُ قُوَاتٍ عَلَى الطَّيَرَانِ، وَكَمَا يَطِيرُ عُقَابٌ ذِي قُوَاتٍ كَذَلِكَ.
وَ القَدَمُ: مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءٍ بِاسْمِ آلَتِهِ، فَإِنَّ القَدَمَ آلَةٌ فِي الجُمْلَةِ لِلعَمَلِ، " وَ القَدَمُ: السَّبْقُ، وَالقَدَمُ: مَا قَدَّمْتَهُ أَمَامَكَ، وَعَمَلُ الْإِنْسَانِ سَابِقٌ عَنْ يَوْمِ الحِسَابِ، وَمُقَدَّمٌ لَهُ. و"الظُّلامَةُ": المظْلِمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الظُّلْمِ كَفُلَامَةٍ وَقُمَامَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ أَحَصُّ مِنَ المَظْلِمَةِ وَالظُّلْمِ، وَأَنَّها المظْلِمَةُ بِقَيْدِ كَوْنِهَا تُطْلَبُ مِنَ الظَّالم.
وَقُوَا": بِضَمِّ القَافِ وَتَخْفِيفِ الوَاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ لَا بِصُورَةِ يَاءٍ؛ لِأَنَّهَا فِي ثُلَاثَيِّ عَنْ وَاءٍ، وَهُوَ جَمْعُ
قُوَّةٍ بِوَارٍ مُشَدَّدَةٍ، كَعُرْوَةٍ وَعُرَا، لَمَّا فُتِحَت الأُولَى قُلِبَت الثَّانِيَةُ أَلِفًا لِتَحَرُكَهَا بَعْدَ فَتْحٍ.
11