الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤11
عَنْهُ وَقُبْحِهِ، هُوَ كَالشَّيْءِ الذِي يَصْعُبُ تَنَاوُلُهُ. وَمِنْ": لِلْبَيَانِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَال "الذِي أَو الهَاءِ.
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
21
إِذَا أَنَا قَدْ صَلَّيْتُ فَالْقَلْبُ غَافِلٌ فَأَمَّا عَن الدُّنْيَا فَلَسْتُ بِغَفْلانِ
إِذَا صَلَّيْتُ قَدْ صَلَّيْتُ، بَلْ إِذَا تَلَبَّسْتُ بِالصَّلَاةِ قَدْ تَلَبَّسْتُ بِهَا، فَقَلْبِي غَافِلٌ عَمَّا يَقُولُ النِّسَانُ وَتَفْعَلُ الأَعْضَاءُ. وَكَانَ الوَاجِبُ أَنْ يُحْضِرَ قَلْبِي، حَالَ القِيَامِ الِانْتِصَابَ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِي جَلَّ وَعَزَّ، وَفِي حَالِ
الحُضُوعَ، وَفِي حَالِ السُّجُودِ مَزِيدَهُ، وَيُحْضِرَ عِنْدَ كُلِ لَفْظٍ مَعْنَاهُ، وَيَعْزِمَ عَلَى التَّأْثُرِ بِهِ. وَإِنْ قُلْتَ: فَمَا حَالُكَ فِي شَأْنِ الدُّنْيَا؟ فَإِنِّي أَقُولُ: قَدْ تَحَقَّقَ انَتِفَاءُ غَفْلَتِي عَنْهَا انْتِفَاءً عَظِيمًا، كَمَا تَحَقَّقَ وُقُوعُ أُمُورٍ فِي الوُجُودِ كَحَرَكَةِ المُتَحَرِّكِ وَسُكُونِ السَّاكِنِ، وَتَنَفُسِ المُتَنَفْسِ، وَكَلَامِ المتَكَلَّمِ. وَهَكَذَا بَعْدَمَا قُلْتُ: إِذَا أَنَا قَدْ صَلَّيْتُ فَالقَلْبُ غَافِلٌ.
الحذف.
و "أَنَا: فَاعِلٌ لِمَحْذُوفٍ مُقَدَّر بِدُونِ "قَدْ"؛ لِأَنَّ قَدْ لَا تَلِي إِذَا. وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ فِي المَرْفُوعِ كَبَابِ الاشْتِغَالِ فِي المَنْصُوبِ؛ نَحْو: زَيْدًا أَكْرَمَهُ اللهُ. وَكِلَاهُمَا [97] مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيّ، وَمَزِيدُ حُسْنِهِ أَنَّهُ تَوْكِيدٌ بِلَا تَكْرِيرِ فِي اللَّفْظِ لِوُجُوبِ وَال" في "القَلْبِ" لِلْعَهْدِ الذَّهْنِيّ؛ وَهُوَ قَلْبُ النَّاظِمِ المَعْهُودِ بِقَوْلِهِ: "أَنَا"، وَقَوْلِهِ: "صَلَّيْتُ" فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ تَقُولَ عِوَضٌ عَن الضَّمِيرِ.
وَنَسِيتُ أَنْ أَذْكُرَ لَكَ إِنَّ المَرَادَ بِقَوْلِهِ: "صَلَّيْتُ: تَلَبَّسْتُ بِهَا، لَا فَرَغْتُ مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الدُّخُولُ فِيهَا وَالتَّلَبُّسُ بِهَا بَعْدَهُ سَبَبًا لإِثْمَامِهَا وَمَلْزُومًا لَهُ فِي الجُمْلَةِ ذكرَ بَدَلَ الدُّخُولِ وَالتَّلْبُسِ بِهَا مَا وُضِعَ لِلفَرَاغَ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: صَلَّيْتُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ذَمُّ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ غَافِلٌ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: غَافِلٌ عَنْ أَقْوَالِي وَأَفْعَالِي فِيهَا. وَإِنَّمَا تُذَمُّ الغَفْلَةُ عَنْهَا فِيهَا لَا بَعْدَهَا.
وَالفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَأَمَّا فِي جَوَابِ شَرْطٍ وَتَفْصِيلُهَا تَحَقَّقَ بِقَوْلِهِ: إِذَا أَنَا قَدْ صَلَّيْتُ فَالقَلْبُ غَافِلٌ،
فَإِنَّهُ مُعَادِلٌ لِقَوْلِهِ إِنَّهُ عَنِ الدُّنْيَا لَيْسَ بِغَافِلٍ. وَالْوَاوُ هُنَا أَوْلَى مِنَ الْفَاءِ. وَأَمَّا": لِلتَّوْكِيدِ، كَمَا أَنَّهُ عَلَّقَ صِحَّةَ انْتِفَاءِ غَفْلَتِهِ عَنِ الدُّنْيَا بِوُقُوع أُمُورٍ فِي الخَارِجِ، فَكَمَا أَنَّ الدَّهْرَ لَا يَخْلُو مِنْ حَوَادِثَ، بَعْدَ تَكَلُّمِهِ بِالشَّطْرِ الأَوَّلِ مِنَ البَيْتِ، كَذَلِكَ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَغْفَلُ عَنِ الدُّنْيَا.
13