الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥22
وَعَنِ الدُّنْيَا": مُتَعَلَّقٌ بِغَفْلَان". وَفِي "غَفْلَانِ": مُبَالَغَةٌ لَيْسَتْ فِي غَافِلٍ، وَلَكِنَّ هَذِهِ المَبَالَغَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّفي؛ أَي: انْتَفَتْ انْتِفَاء بَلِيغًا غَفْلَتِي عَن الدُّنْيَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
وَإِنْ صُمْتُ لَمْ أَتْرُكْ حَرَامًا وَلَمْ أَزِدْ علَى ظَمَئِي طُولَ النَّهَارِ وَحِرْمَانِي وَإِنْ صُمْتُ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ أَتْرُكْ حَرَامًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلِ أَوِ اعْتِقَادٍ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى عَطَشِي وَحِرْمَانِي مِنَ الطَّعَامِ شَيْئًا مِنْ وَرَعٍ وَمَزِيدِ عِبَادَةٍ فِي طُولِ النَّهَارِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْمُولَ "صَلَّيْتُ" و"صُمْتُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ؛ إِذْ لَيْسَ المَرَادُ صَلَّيْتُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا، أَوْ صَلَاةَ كَذَا، أَو الفَرْضَ أَو النَّفْلَ، أَوْ صُمْتُ الصَّوْمَ كُلَّهُ أَوْ صَوْمَ كَذَا أَوِ الْفَرْضَ أَوِ النَّفْلَ. بَلْ
أَرَادَ إِذَا أَوْقَعْتُ الصَّلَاةَ، بَل التَّلَبسَ فِيهَا أَو التَّلَبُّسَ بِالصَّوْمِ هَكَذَا.
وَمَفْعُولُ "أَزِدْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَمْ أَزِدْ وَرَعًا وَعِبَادَةً عَلَى زَمَانِ غَيْرِ صَوْمِي، وَعَلَى ظَمَوِي. وَالظَّمَةُ": العَطَشُ؛ وَالمَرَادُ بِطُولِ النَّهَارِ: مُدَّتُهُ، وَلَوْ فِي أَقْصَرِ أَوْقَاتِ الشَّتَاءِ. وَالحِرْمَانُ: المَنْعُ؛ وَالمَرَادُ مَنْعُهُ مِنَ الطَّعَامِ، فَهُوَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: ظَمَئِي وَحِرْمَانِي": مَعْطُوفٌ عَلَى ظَمَئِي، وَطُولَ": ظَرْفُ زَمَانِ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ. وَهَذَا البَيْتُ وَالذِي قَبْلَهُ تَمْثِيلٌ لِلإِصْرَارِ [7] فِي البَيْتِ قَبْلَهُمَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
23
وَيَا وَيْحَ قَلْبِي مِنْ دَوَادٍ مُشِيئَةٍ وَإِنْ ظَهَرَتْ لِلْخِلَ كَانَ هُوَ الشَّانِي يَا هَلَاكَ قَلْبِي مِنْ أُمُورٍ عِظَامٍ مُقَيَّحَةٍ لِي هِيَ أَفْعَالٌ لِي مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا، خَفِيَّة وَإِنْ أُظْهِرَتْ لِلصَّاحِبِ الخَلِيلِ لِي كَانَ هُوَ المُبْغِضَ لي، الكَامِلَ فِي البُغْضِ، فَكَيْفَ غَيْرُهُ، فَمَا يَكُونُ غَيْرُهُ إِلَّا أَكْمَلَ مِنْهُ فِي البُغْضِ وَنَادَى الوَيْحَ لِيَحْضُرَ، لِأَنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وَقْتُ يَحِقُ أَنْ يَحْضُرَ فِيهِ، هَذَا وَجْهُ اللَّفْظِ، وَأَمَّا المَرَادُ فَالتَّحَسُّرُ وَالتَّصَجُرُ مِنَ الذُّنُوبِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "يَا" تَنْبِيهَا وَأَنْ يَكُونَ نِدَاءً لِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ: يَا خِلّي وَيْحَ قَلْبِي، فَيَكُونُ وَيْحَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَحْذُوفٍ وُجُوبًا، لَيْسَ مِنْ لَفْظِهِ، لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ مِنْ لَفْظِهِ. فَالتَّقْدِيرُ: هَلَكَ قَلْبِي هَلَاكًا، وَلَمَّا نَابَ لَفْظُ "وَيْحَ" عَنْ عَامِلِهِ أُضِيفَ إِلَى فَاعِل عَامِلِهِ، وَهُوَ قَلْبِي.
14