الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩مَا تَقَدَّمَ مَفْهُومٌ، وَرُبَّ امْرَأَةٍ قَائِلَةٍ: رُوَيْدَكَ إِليَّ لِرِضْوَانٍ حِينَ رَأَتْ مَا أَصَابَنِي مِنَ التَّحَسُّرِ الشَّدِيدِ لِذُنُوبِي، وَمِنْ نُحُولِ جِسْمِي، وَرَأَتْ مَا قَدْ أَتَصَبَّرُ لَهُ وَأَتَحَمَّلُهُ مِنْ حَرِيقٍ فِي قَلْبِي دَاخَلَنِي بِتَغْيِيرِ. وَدَلَّ
عَلَى ذَلِكَ الحَرِيقِ القَلْبِي، مَا فِي لِسَانِي مِنَ التَّحَسُّرِ، وَفِي جَسَدِي مِنَ التَّغَيرِ.
وَقَوْلُهُ: "وَقَائِلَة" إِلخ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وقَائِلَةٍ مَا بَالُ وَجْهِكَ قَدْ نَضَتْ محَاسِنَة والجِسْمُ بَادٍ شُحُوبُهُ
قال:
فَقُلتُ لَهَا: هَاتِي مِنَ النَّاسِ وَاحِدًا صَفَا وَقْتُهُ وَالنَّائِبَاتُ تَنُوبُهُ (1) كَمَا قَالَ النَّاظِمُ بَعْدَ هَذَا: "فَقُلْتُ لَهَا جُوزِيتِ خَيْرًا" إلخ. وَمَقُولُ المرأَةِ لَهُ: "رُوَيْدَكَ لَا تَقْنُطْ؛ أَيْ: أَمْهِلْ لِنَفْسِكَ وَاسْتَبْقِ لَهَا. لَا تَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ لَكَ بِتَوْفِيقِكَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّخَلُّص مِنَ الخَطَا، وَلَوْ كَبُرَ خَطَوْكَ. وَلَا تَيْأَسُ مِنْ نَيْلِ رَوْحِ الجَنَّةِ وَرَيْحَانِهَا، لِأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، بَلْ يُسْرَيْنِ كَمَا جَاءَ فِي الذِّكْرِ. وَلِأَنَّ عِلَاجَ الصَّبْرِ مُوجِبُ نُصْرَة، فَإِذَا صَبَرْتَ عَلَى التَّوْبَةِ وَمَرَارَةِ الطَّاعَةِ، نُصِرْتَ عَلَى أَعْدَائِكَ الشَّيَاطِين وَنَفْسِكَ وَالهَوَى. قَالَ له: ((النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ (((2) وَلِأَنَّهُ لَا فَرَجِ إِلَّا بِشِدَّةِ الكَرْبِ. كَمَا قيلَ: اشْتَدِي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي (3).
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَا تَجْزَعًا إِنْ أَظْلَمَ الدَّهْرُ مَرَّةً فَإِنَّ اعْتِكَارَ اللَّيْلِ يُوذِنُ بِالْفَجْرِ (4) وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ كَثُرَ مِنَ المُكَلَّفِينَ مَنْ يَعْمَلُ أَعْمَالَ أَهْلِ النَّارِ الْأَشْقِيَاءِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا وَأَشْرَفَ عَلَيْهَا، بِمُوجِبِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، أَعَادَهُ اللهُ إِلَى الجَنَّةِ بِمُوجِبِهَا مِنَ التَّوبَةِ وَالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا
ذِرَاعٌ أَوْ شِبْرٌ فَيُدْرِكُهُ الْقَضَاءُ فَيَرْجِعُ عَنْهَا)) (5).
(1) البيتان من الطويل، المستطرف في كل فن مستظرف، الأبشيهي، 57/ 2، دون ذكر صاحب البيتين.
(2) المعجم الكبير، الطبراني، حديث (11243).
(3) قيل إن ذلك حديث عن رسول الله (الفردوس، الديلمي، حديث (1731)) وهو موضوع حسب الألباني، ضعيف الجامع حديث (862). (4) البيت من الطويل، ربيع الأبرار الزمخشري 245/ 4، دون ذكر صاحب البيت وبرواية مختلفة، وفي المستطرف بنفس الرّواية 72/ 2، دون ذكر صاحب البيت أيضا.
(5) ورد بلفظ قريب المعجم الكبير، الطبراني حديث (872).
18