الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢وَعَنْهُ: لَيَغْشَيَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ أَمْرٌ يُفْزِعُهُمْ حَتَّى يَتْرُكُوهَا وَهِيَ مُذَلَّلَةٌ، وَحَتَّى تَبُولَ السَّنَانِيرُ عَلَى قَطَائِفِ الْخَزِ، مَا يُرَوّعُهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَخْرِقَ التَّعَالِبُ فِي أَسْوَاقِهَا مَا يُرَوّعُهَا شَيْءٌ)) (1). وَعَنْهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى مَسْجِدِي هَذَا الْكِلَابُ وَالدِّيابُ والصِّبَاعُ فَيَمُرُّ الرَّجلُ بِبَابِهِ، فَيُرِيدُ أَنْ يُصَلِّي فِيهِ فَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ)) (2). فَهَذَا لَمْ يَقَع اتِّفَاقًا، وَأَمَّا التَّرْلُ الأَوَّلُ، الذِي ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فَلَعَلَّهُ المَشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ يُخْرِجُهُمْ أَمْرِءُ السُّوءِ (3).
وَقَوْله: ((وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَكُونَنَّ بِالمَدِينَةِ مَلْحَمَةٌ يُقَالُ لَهَا الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ حَالِقَةَ
الشَّعْرِ، وَلَكِنْ حَالِقَة الدِّينِ، فَاخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ وَلَوْ عَلَى قَدْرِ بَرِيدٍ)) (4). وَقَوْلُهُ: ((اللَّهُمَّ) لَا تُدْرِكْنِي سَنَةَ سِتِّينَ وَلَا إِمْرَةَ الصِّبْيَانِ)) (5) يُشِيرُ إِلَى وِلَايَةِ يَزِيدَ، وَكَانَتْ سَنَةَ سِتِّينَ، وَإِلَى كَائِنَةِ الحَرَّةِ، وَهِيَ السَّبَبُ فِي تَرْكِ المَدِينَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ عِيَاضُ وَالقُرْطُبِيُّ (6): فَلَمَّا انْتَهَى حَالُ المَدِينَةِ كَمَالًا وَحُسْنًا، تَنَاقَضَ أَمْرُهَا إِلَى أَنْ أَقْفَرَتْ جِهَاتُهَا وَتَوَالَت الفِتَنُ فِيهَا، فَخَافَ أَهْلُهَا فَارْتَحَلُوا عَنْهَا، وَوَجَّهَ يَزِيدُ بنُ مُعَاوِيَةَ مُسْلِمَ بنَ عُقْبَةَ المَرِي فِي جَيْشِ عَظِيمٍ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَنَزَلَ بِالمَدِينَةِ، فَقَاتَلَ أَهْلَهَا فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَهُمْ بِحَرَّةَ المَدِينَةِ قَتْلًا دَرِيعًا، وَاسْتَبَاحَ المَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَسُمِّيَتْ وَقْعَةَ الحَرَّةِ لِذَلِكَ، وَيُقَالُ: حَرَّةُ زَهْرَة، وَكَانَت الوَقْعَةُ تُعْرَفُ بِوَقْعَةِ وَاقِمٍ: مَوْضِعٌ عَلَى مِيلٍ مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، قُتِلَ فِيهِ بَقَايَا المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَخِيَارُ التَّابِعِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ وَسَبْعُ مَئَةٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَخْلَاطِ النَّاسِ عَشَرَةُ آلَافٍ سِوَى النِّسَاءِ وَالصَّبْيَانِ، وَقُتِلَ مِنْ حَمَلَةِ القُرْآنِ سَبْعُ مِئَةٍ رَجُلٍ، وَجَالَت الخُيُولُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ، وَبَالَتْ وَرَاثَتْ بَيْنَ القَبْرِ وَالمَنْبَرِ أَدَامَ اللهُ تَشْرِيفَهُمَا، وَأُكْرِهَ النَّاسُ أَنْ يُبَايِعُوا لِيَزِيدَ، عَلَى أَنَّهُم عَبِيدٌ لَهُ إِنْ شَاءَ بَاعَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَذَكَرَ لَهُ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ البَيْعَةَ عَلَى
(1) تاريخ المدينة، ابن شبة، 282/ 1. (2) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 73. (3) (م، س)، ص 73.
(4) أي: قول أبي هريرة، تاريخ المدينة ابن شَبَّة، 280/ 1، وخلاصة الوفا، السَّمهودي، ص 73.
(5) أي: قول أبي هريرة، خلاصة الوفا، السَّمهودي، ص 73، والمصنف، ابن أبي شيبة، حديث (37235) و (37251) و (37627) وفتح الباري،
ابن حجر،
10/ 13.
(6) القرطبي، المفسّر، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري، المالكي (أبو عبد الله) توفي بمنية بني خصيب بمصر سنة 671 هـ، تصانيفه: الجامع لأحكام القرآن والتذكرة في أحوال الموتى والآخرة. طبقات المفسّرين، السيوطي، ص، ص 92، المؤلفين، رضا كحالة، 52/ 3. ومعجم
من
41