الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦وَلَمَّا سَارَ مِنَ المَدينَةِ لِقِتَالِ ابنِ الزُّبَيْرِ أَهْلَكَهُ اللهُ فِي الطَّرِيقِ ابْتَلَاهُ بِالمَاءِ الْأَصْفَرِ فِي بَطْنِهِ
فَمَاتَ بِقَدِيدِ، وَقِيلَ: بِهَرْشى هَرْشَى (1) بَعْدَ الوَقْعَةِ بِثَلَاثٍ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِحَصِينَ بنِ نَمِيرٍ (2): أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَلَّاكَ بَعْدِي فَأَسْرِع السَّيْرَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَمَرَهُ (3) أَنْ يَنْصِبَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ المَجَانِيقَ عَلَى مَكَّةَ، وَمَضَى الجَيْشُ لِمَكَّةَ، وَجَعَلَ يَرْمِي الكَعْبَةَ بِالمُنْجَنِيقِ وَأَخَذَ رَجُلٌ قَبَسًا فِي رَأْسِ رُمْحٍ فَطَارَ بِهِ الرِّيحُ، فَاحْتَرَقَ البَيْتُ فَجَاءَهُمْ نَعْيُ يَزِيدَ لِهِلَالِ رَبِيعِ الأَخِيرِ، وَكَانَ بَيْنَ الحَرَّةِ وَبَيْنَ مَوْتِهِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ دُونَهَا، وَكَانَ رَمْيُ الكَعْبَةِ مِنْ أَشْنَعِ مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ يَزِيدَ (4).
وذكَرَ الوَاقِدِي: أَنَّ النَّبِيءَ الله خَرَجَ سَفَرًا مِنْ أَسْفَارِهِ، فَلَمَّا مَرَّ بِحَرَّةِ زَهْرَةَ وَقَفَ، وَاسْتَرْجَعَ بِذَلِكَ مَنْ مَعَهُ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَفَرِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الذِي رَأَيْتَ؟ فَقَالَ النَّبِيءُ: أَمَا إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ سَفَرِكُمْ هَذَا، قَالُوا: فَمَا هُوَ؟ قَالَ: يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْحَرَّةِ خِيَارُ أُمَّتِي بَعْدَ أَصْحَابِي)) (5).
وَكَانَ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ بِيَدِهِ، فَقَالَ: ((يُقْتَلُ بِهَذِهِ الْحَرَّةِ خِيَارُ أُمَّتِي)) (). وَعَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ فِي حَرَّةٍ شَرْقِيَّ المَدِينَةِ مَقْتَلَةٌ، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ضياء (7).
وَيُقَالُ لِلْحَرَّةِ حَرَّةُ وَاقِم، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنُ بنُ سَعِيدِ بن زَيْد (8):
فَإِنْ يَقْتُلُونَا يَوْمَ حَرَّةِ وَاقِم فَنَحْنُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوَّلُ مَنْ قُتِلْ وَنَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ بِبَدْرٍ أَذِلَّةٌ وَأُبْنا بِأَسْلَابِ لَنَا مِنْكُمُ نَفَلْ فَإِنْ يَنْجُ مِنْهَا عَائِدُ الْبَيْتِ سَال فَكُلُ الذِي قَدْ نَالَنَا مِنْكُمُ جَلَل (9)
وَاللهُ أَعْلَمُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
(1) هرشا: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر. معجم البلدان، الحموي، 397/ 5.
(2) حصين بن نمير بن نائل: السكوني من أهل حمص، كان أميرا على جند حمص، وكان على الجيش الذين قاتلوا ابن الزبير بمكة. تاريخ دمشق، ابن عساکر، 382/ 14، وتهذيب التهذيب، ابن حجر، 392/ 2.
(3) في الأصل: ومره.
(4) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 77 - 78.
(5) ينظر: دلائل النبوة، البيهقي، 473/ 6.
(6) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 78.
(7) (م، س)، ص 78، وفيه: صنعاً بدل ضياء.
(8) عبد الرحمن بن سعيد بن زيد: لا بقية له وكان شاعرا نسب قريش، الزبيري، ص
366
(9) الأبيات من الطويل، جمهرة أنساب العرب، ابن حزم، ص 151، وخلاصة الوفا، السمهودي، ص 78.
45