إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٧

34 فَكُمْ آپس مِنْ رَحْمَةِ اللهِ قَدْ غَدَا إلَيْهَا فَحَطَّتْ عَنْهُ أَنْوَاعَ عُدْوَانِ لأَنَّهُ نَاسٌ كَثِيرُونَ مُشْرِفُونَ عَلَى الإِيَاسِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، سَارُوا إِلَيْهَا، وَحَطَّتْ عَنْهُمْ، بِسَبَبِ سَيْرِهِمْ إِلَيْهَا، أَنْوَاعَ المَعَاصِي، التِي هِيَ مُحَارَبَةُ للهِ.

فَالفَاءُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: "تَسْلَمْ"، أَوْ لِقَوْلِهِ: "قُمْ". وَ"كُمْ": لِلتَّكْثِيرِ، وَأَفْرَدَ ضَمِيرَهَا فِي "غَدَا" وَعَنْهُ" نَظَرًا لِلَفْظِهَا.

و "آيس": بِتَصْحِيحِ اليَاءِ بَعْدَ الأَلِفِ، لَا بِقَلْبِهَا هَمْزَةٌ لِأَنَّهَا صَحَّتْ فِي الفِعْلِ. وَمَعْنَى آيس: مُشْرِفٌ عَلَى الإِيَاسِ لَا آيسْ حَقِيقَةً لِأَنَّ الآيِسَ حَقِيقَةً لَا يُغْفَرُ لَهُ وَلَا [18 ظ] يَسْعَى فِيمَا تُحَطُّ عَنْهُ بِهِ الذُّنُوبُ.

"آيس": مَجَازٌ مُرْسَلُ تَبَعِيٌّ؛ لِعَلَاقَةِ الجِوَارِ المَعْقُولِ بِأَنْ سَمَّى القُرْبَ لِلإِيَاسِ إِيَاسًا، فَاشْتَقَ

مِنْ لَفْظِ الإِيَاسِ، بِمَعْنَى القُرْبِ مِنَ القُنُوطِ، آيسًا بِمَعْنَى قَرِيبًا مِنْهُ.

أَوْ مَجَازٌ مُرسَلٌ تَبَعِيٌّ لِعَلَاقَةِ السَّبَبِيَّةِ وَالمُسَيِّبِيَّة أَوْ إِحْدَاهُمَا، أَو اللَّازِمِيَّةِ وَالمُلْزُومِيَّةِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا بِمَعْنَى مُرِيدُ الإِيَاسِ، فَإِنَّ إِرَادَةَ الشَّيْءٍ سَبَبٌ لَهُ وَمَلْزُومٌ لَهُ. أَوْ حَقِيقَةٌ فَيُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: قَدْ غَدَا بَعْدَ تَوْبَتِهِ مِنَ الإِيَاسِ، أَوْ قَدْ غَدَا تَائِبًا، أَوْ ضَمَّنَ غَدَا مَعْنَى تَابَ بِلَا حَذْفٍ وَتَقْدِيرٍ. وَرَحْمَةُ اللهِ": إِنْعَامُهُ، حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مَجَازَ لُغَوِي؛ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ رِقَةِ القَلْبِ الإِحْسَانُ، وَلَا يُوصَفُ

الله بِالْقَلْبِ، وَلَا بِالرِّقَةِ وَلَا بِصِفَةِ خَلْقٍ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الإِنْعَامِ. وَغَدَا": مَجَازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ لِعَلَاقَةِ الإِطْلَاقِ وَالتَّفْيِيدِ أَوْ أَحَدِهِمَا؛ فَإِنَّ الغَد (1) حَقِيقَة لِلسَّيْرِ بَعْدَ الفَجْرِ، وَاسْتَعْمَلَهُ بِمَعْنَى مُطْلَقِ السَّيْرِ فِي أَي وَقْتٍ، وَالْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.

وَحَطُّ الذُّنُوبِ: مَحْوُهَا مِنَ الصَّحيفةِ، ومِنْ لازم هذا انْتِفَاءُ العِقَابِ عَلَيْهَا. أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ، أَيْ: حُطَّ عَنْهُ، بِسَبَبِ السَّيْرِ إِلَى طَيْبَةَ، عِقَابُ أَنْواع العُدْوَانِ، وَهَذَا أَوْلَى لَاطِرَادِهِ، بِخِلَافِ مَحْوِهَا مِنَ الصَّحِيفَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ سَعِيدٍ.

أَوْ حَطُّهَا كِنَايَةٌ عَن انْتِفَاءِ المَوَاخَذَةِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي الكِنَايَةِ وُجُودُ المَعْنَى المَوْضُوع لَهُ اللَّفْظُ، فَشَمَلَ مَنْ مُحِيَتْ مِنْ صَحِيفَتِهِ وَمَنْ لَمْ تُمْحَ مِنْ صَحِيفَتِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعَاقَتْ بِهَا. أَو الحَطُّ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي تَرْكِ

العِقَابِ عَلَى الذَّنْبِ.

(1) خطأ صوابه: الغدو.

46