إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٩

قال ابنُ عَبْدِ السَّلَامِ (1): مَعْنَى التَّفْضِيل بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ أَنَّ ثَوَابَ العَمَل فِي إِحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الأُخْرَى (2)، وَمِمَّا جَاءَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الحَسَنَةَ فِي مَكَّةَ بِمِئَةِ أَلْفٍ وَفِي المَدِينَةِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَفِي بَيْتِ المُقْدِسِ بِأَلْفِ.

وَكَذَا التَّفْضِيل فِي الْأَزْمَانِ، وَقَبْرُهُ الله لَا يُمْكِنُ العَمَلُ فِيهِ فَيُشْكِلُ قَوْلُ عِيَاضٍ إِنَّهُ أَفْضَلُ

إِجْمَاعًا (3). قُلْتُ: الفَضْلُ بِقُرْبِ الجِوَارِ، فَيَعْظُمُ الثَّوَابُ بِالقُرْبِ مِنْهُ فِي العَمَلِ.

ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضًا قَالَ: إِنَّ التَّفْضِيلَ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَلِذَا حُرِّمَ عَلَى المُحْدِثِ مَسُّ جِلْدِ المُصْحَفِ لَا

بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ جِلْدُ المُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَذُّرِ العَمَلِ فِيهِ (4).

وَقَالَ السُّبْكِي: قَدْ يَكُونُ التَّفْضِيلُ لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَمْرِ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ، فَإِنَّ القَبْرَ الشَّرِيفَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحَمَاتِ وَالرّضْوَانِ وَالمَلَائِكَةِ مَا تَقْصُرُ عَنْهُ العُقُولُ، وَكَذَا لَهُ وَلِقَبْرِهِ عِنْدَ اللهِ مِنَ المَحَبَّةِ مَا تَقْصُرُ عَنْهُ العُقُولُ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ الْأَمْكِنَةِ.

وَأَيْضًا فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُدْفَنُ في الموضع الذي خُلِقَ مِنْهُ وَأَيْضًا قَدْ تَكُونُ الْأَعْمَالُ مُضَاعَفَةً فِيهِ بِاعْتِبَارِ حَيَاتِهِ الله صلى الله عليه وسلم فِيهِ، وَأَنَّ أَعْمَالَهُ مُضَاعَفَةٌ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَالرَّحَمَاتُ النَّازِلَاتُ بِذَلِكَ المَحَلِ يَعُمُّ فَيْضُهَا الأُمَّةَ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ لِدَوامِ تَرَقِياتِهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مَنْبَعُ الخَيْرَاتِ (5).

وَالكَعْبَةُ عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ فِيهَا، أَوْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِيهَا، لَا يَصِحُ القَوْلُ بِتَفْضِيلِ المَسْجِدِ حَوْلَهَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ العَمَلِ جَزْمًا، وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوَ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ (() الآية حَاصِل بِالمجيء إِلَى قَبْرِهِ لال لها وَزِيَارَتِهِ وَسُؤَالِ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ، وَالتَّوَسُّل بِهِ إِلَى اللهِ، وَالمَجَاوَرَةُ عِنْدَهُ مِنْ أَفْضَلِ القُرُبَاتِ، وَعِنْدَهُ [19] تُجَابُ الدَّعَوَاتُ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ، وَهُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ

(1) عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الشافعي فقيه، مشارك في الأصول والعربية والتفسير، ولد بدمشق وتفقه على فخر الدين بن عساكر، سمع كثيرا، ودرس وأفتى، توفي بالقاهرة سنة 660 ه وقيل: 669 هـ، من مصنفاته: القواعد الكبرى في أصول الفقه الغاية في اختصار النهاية في فروع الفقه الشافعي. معجم المؤلفين، رضا كحالة، 162/ 2 طبقات الشَّافعيّة ابن قاضي شهبة، 137/ 2.

(2) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 18.

(3) (م، س)، ص 18.

(4) (م، س)، ص 18.

(5) (م)، س)، ص 19.

(6) سورة النساء: 64.

48