الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢وَرَوَى الحَاكِمُ فِي "المسْتَدْرَكِ": ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبّ البِقَاعِ إِلَيَّ، فَأَسْكِنِّي أَحَتِ البِقَاعِ إِلَيْكَ)) (1)؛ أَيْ: فِي مَوْضِعٍ تُصَيِّرُهُ كَذَلِكَ عَلَى طبقِ الأَزَلِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الحُبَّانِ، وَالحُبُّ مِنَ اللهِ إِنَالَةُ الخَيْرِ وَالتَّعْظِيمُ لِلْمَحْبُوبِ، فَيَتَجَدَّدُ بَعْدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ، وَضَعَّفَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، وَإِنْ سَلِمَتْ صِحْتُهُ فَالمَرَادُ أَحَبّ إِلَيْكَ بَعْدَ مَكَّةَ لِحَدِيثِ: إِنَّ مَكَّةَ خَيْرُ بِلَادِ اللهِ)) (2) وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ)) (3) وَلِزِيَادَةِ المَضَاعَفَةِ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ (4). وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يَقْتَضِي صَرْفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ؛ إذ القَصْدُ بِهِ الدُّعَاءُ لِدَارِ هِجْرَتِهِ بِأَنْ يُصَيِّرَهَا اللهُ كَذَلِكَ، وَفِيمَا قَدَّمْنَا غُنْيَةٌ عَنْ صِحَّتِهِ، وَحَدِيث: ((إِنَّ مَكَّةَ … )) إلخ مَحْمُولٌ عَلَى بَدْءِ الْأَمْرِ قَبْلَ ثُبُوتِ الفَضْلِ لِلمَدِينَةِ، وَإِظْهَارِ الدِّينِ وَافْتِتَاحِ البِلَادِ مِنْهَا، حَتَّى مَكَّةُ، فَقَدْ أَنَالَها وَأَنَالَ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهَا مِنَ البِلَادِ؛ فَبِظَهْرِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَصَيْرُورَتِهَا أَحَبّ مُطْلَقًا بَعْدُ، وَلِهَذَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَى نَبِيلِهِ صلى الله عليه وسلم الإِقَامَةَ بِهَا، وَحَثَّ هُوَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا، وَالاِقْتِدَاءِ بِهِ فِي سُكْنَاهَا، وَالمَوْتِ بِهَا، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ أَفْضَلُ (5). وَيُبْحَثُ بِأَنَّ حَدِيثَ: ((إِنَّ مَكَّةَ خَيْرُ بِلادِ اللهِ إِخْبَارٌ عَلَى الإِطْلَاقِ بِلَا قَيْدٍ وَلَا نَسْخِ؛ إِذ الخَبَرُ لَا يَقْبَلُ النَّسْحَ. وَيُجَابُ بِأَنَّ المَرَادَ: إِنَّهَا زَادَتْ عَلَى سَائِرِ البِلَادِ فِي نَفْعِ اللهِ بِهَا وَنَفْعِهَا وَنَفْعِ أَهْلِهَا، فَيُقْبَلُ التَّقْيِيدُ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ المدينةِ، وَيُعْتَرَضُ بِأَنَّهُ جَاءَ فِيهِمَا مَعًا أَنَّهَا أَحَبُّ، فَلَعَلَّهُمَا سَوَاءٌ. وَفِي بَعْضٍ طُرُقِ حَدِيثِ: (إِنَّ مَكَّةَ خَيْرُ بِلادِ اللهِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بالحزورة (6) [620] وَهُوَ مَوْضِعٌ، وَيُقَالُ لَهُ: عَزْوَرَة، وَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرِ الهِجْرَةِ فِي اسْتِخْفَاءٍ لَا يَقْتَضِي تَأَخُرَ هَذَا القَوْلِ عَنْ سَفَرِ الهِجْرَة؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ لا لا لا لِلْغَارِ كَانَ لَيْلًا، بَعْدَ أَنْ دَرَّ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِ مَنْ كَانَ يَرْصُدُهُ، وَقَرَأَ أَوَائِلَ "يس" يَسْتَتِرُ بِهَا، فَلَمْ يَرَوْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ حِبَّانَ: ((فَرَكِبَا، يَعْنِيهِ وَأَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ، وَهُوَ بِشَوْرٍ، فَتَوَارَيَا فِيهِ)) (7).
(1) المستدرك، الحاكم، حديث (4261). (2) صحيح ابن حبان حديث (3708).
(3) (م، س) حديث (3708). (4) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 21. (5) (م) س)، ص 21.
(6) الحزورة: كانت سوق مكة، وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه. معجم البلدان، الحموي، 255/ 2.
(7) صحيح ابن حبان رقم (6279).
51