إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣

وَأَمَّا مَزِيدُ المضَاعَفَةِ، فَأَسْبَابُ التَّفْضِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ بِمِنيَّ لِلْمُتَوَحِهِ بِعَرَفَةَ، أَفْضَلُ مِنْهَا بِمِسْجِدِ مَكَّةَ، وَإِن انْتَفَتْ عَنْهَا المَضَاعَفَةُ، إِذْ في الاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَيْهَا، وَمَذْهَبُ شُمُولِ المضَاعَفَةِ لِلنَّفْلِ مَعَ تَفْضِيلِهِ بِالمُنْزِلِ، وَلِذَا قَالَ عُمَر الله بِمَزِيدِ المضَاعَفَةِ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ، مَعَ قَوْلِهِ بِتَفْضِيلِ المدِينَةِ، وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلِهِ بِمَزِيدِ المضَاعَفَةِ تَفْضِيلَهِ مَكَّةَ؛ إِذْ غَايَتُهُ أَنَّ لِلمَفْضُولِ مَزِيَّةً لَيْسَتْ للفاضِلِ، مَعَ أَنَّ دُعَاءَهُ لا لِمَزِيدِ تَصْعِيفِ البَرَكَةِ بِالمَدِينَةِ شَامِلٌ لِلأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَيْضًا، وَقَدْ يُبَارِكُ فِي العَدَدِ القَلِيلِ فَيَرْبُو نَفْعُهُ عَلَى الكَثِيرِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَفْضِيلِ المَدِينَةِ (1). وَإِنْ أُرِيدَ مِنْ حَدِيثِ المضَاعَفَةِ لِمَكَّةَ الكَعْبَةُ فَقَطْ فَالجَوَابُ أَنَّ الكَلَامَ فِيمَا عَدَاهَا، فَلَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ فِي فَضْلِهَا، وَلَا مَا بِمَكَّةَ مِنْ مَوَاضِعِ النُّسُكِ لِتَعَلُّقِهِ بِهَا، وَلِذَا قَالَ عُمَرٍ لِعَبْدِ اللهِ المخزومي: أَنْتَ القَائِلُ: لَمَكَّةُ خَيْرٌ مِنَ المَدِينَةِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ: هِيَ حَرَمُ اللهِ وَأَمْنُهُ، وَفِيهَا بَيْتُهُ، فَقَالَ عُمَر: لَا أَقُولُ فِي حَرَمَ اللهِ وَبَيْتِهِ شَيْئًا، ثُمَّ كَرَّرَ عُمَر قَوْلَهُ الأَوَّلَ فَأَعَادَ جَوَابَهُ، فَأَعَادَ لَهُ: لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللهِ وَبَيْتِهِ شَيْئًا، فَأُشِيرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَانْصَرَف (2).

وَقَدْ عُوّضَت المَدِينَةُ عَن العُمْرَةِ صَلَاةً فِي مَسْجِدِ قُبَاء، وَعَن الحَجِّ. وَالمَدِينَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ مَكَّةَ، عَلَى القَوْلِ بِهِ، فَقَدْ كَانَتْ سَبَبًا لإِعْزَازِ الدِّينِ وَإِظْهَارِهِ، وَنُزُولِ أَكْثَرِ الفَرَائِضِ، وَإِكْمَالِ الدِّينِ حَتَّى كَثُرَ تَرَدُّدُ جِبْرِيلَ اللَ بِهَا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ بِهَا الله له إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلِهَذَا قِيلَ لِمَالِكُ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ المَقَامُ هُنَا، أَيْ: بِالمَدِينَةِ أَوْ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: هَهُنَا، وَكَيْفَ لاَ أَخْتَارُ المَدِينَةَ وَمَا بِهَا طَرِيقٌ إِلَّا سَلَكَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَجِبْرِيلُ الله يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ فِي أَقَلَ مِنْ سَاعَةٍ (3). وَقَدْ ثَبَتَ تَفْضِيلُ المَوْتِ بِالمَدِينَةِ فَثَبَتَ تَفْضِيلُ سُكْنَاهَا؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا طَرِيقُ المَوْتِ بِهَا. وَرَوَى

الطَّبَرَانِي وَغَيْرُهُ حَدِيثَ: ((المَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ)) (4).

(1) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 22.

(2) (م، س)، ص 22.

(3) (م) س)، ص 22 - 23

(4) المعجم الكبير، الطبراني، حديث (4450).

52