الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٤اللهِ، وَلِهَذِهِ جِوارُ حَبِيبِ اللهِ وَأَكْرَمِ الخَلْقِ عَلَى اللهِ (1).
وَقَالَ أَبُو بَكْر بنُ حَمَّادٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ حَنْبَل أَيْنَ تَرَى السُّكْنَى أَفْضَلُ؟ مَكَّةُ أو المدِينَةُ؟ قَالَ: المَدِينَةُ لِمَنْ صَبَرَ عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: المَدِينَةُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهَا. قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ بِهَا خَيْرَ المُرْسَلِينَ. وَاخْتِيَارُ سُكْنَى المَدِينَةِ هُوَ المعْرُوفُ مِنْ حَالِ السَّلَفِ (2). وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَكْرَهُ المَقَامَ بِمَكَّةَ، وَيَقُولُ: هِيَ دَارٌ أَعْرَابِيَّةٌ، هَاجَرَ مِنْهَا رُسولُ اللهِ (3) وذَكَرَ بَعْضَ: لَأَنْ أَنْزِلَ دَوْرَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَنْزِلَ مَكَّةَ. وَدَوْرَانُ: جَبَلٌ عِنْدَ طَرَفِ قدِيد (4). وَفِي "مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ": "كَانَ الصَّحَابَةُ يَحُجُّونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ، وَيَعْتَمِرُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى المَدِينَةِ وَلَا يُجَاوِرُونَ " (5).
وَلَمْ يَقُل السَّلَفُ بِكَرَاهَةِ المجَاوَرَةِ بِالمَدِينَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الجِوَارِ بِالمَدِينَةِ، وَاقْتَضَى كَلَامُ النَّوَوِي حِكَايَةَ الخِلَافِ فِيهِمَا لِعِلَّةٍ خَوْفِ المَلَلِ، وقِلَّةِ الحُرْمَةِ لِلأُنسِ وَخَوْفِ مُلَابَسَة الذُّنُوبِ. قَالَ: والمختَارُ اسْتِحْبَابُ المجَاوَرَةِ بِهِمَا، إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الوُقُوعُ فِيمَا ذكر (6). وَفِي الأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِي" حَدِيثُ: ((مَنْ غَابَ عَنِ المَدِينَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَاءَهَا وَقَلْبُهُ مُشَرَّبٌ
جَفْوَةً)) (7). وَاللهُ أَعْلَمُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِي العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ. 35 تَنَوَّرُ بِهَا وَاقْصِدْ بِذُلُّ فَإِنَّهَا تُقِيلُ بَنِي الزَّلاتِ مِنْ حَرِ نِيرَانِ انْظُرْ إِلَيْهَا وَاقْصِدْهَا مُلْتَبِسًا بِحُضُوعٍ لَهَا، لِأَجْلِ نَبِيءِ اللهِ فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُقِيلُ أَصْحَابَ
الذُّنُوبِ مِن حَرِّ النَّارِ، بَل اقْرُبُ مِنْهَا حَتَّى تَرَى نَارَ أَهْلِهَا التِي يُشْعِلُونَ لِمَصَالِحِهِمْ لِتَدْخُلَهَا. وَاقْصِدْهَا مُتَذَلّلًا لأَنَّهَا تُبْعِدُ المُذْنِبِينَ مِنَ النَّارِ، إِذَا تَابُوا وَقَصَدُوهَا تَبَرُّكًا بِمَنْ فِيهَا وَمِنْبَرِهِ وَالرَّوْضِةِ
وَمَآثره.
فَتَنَوَّرْ بِهَا: تَبَصَّرُ بِهَا، أَو انْظُرُ إِلَيْهَا، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ يَرَى نَارَ قَوْمٍ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ المَسَافَةِ، وَمِنْ شَأْنِ قُرْبِهَا أَنْ يَرَى نَارَهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَرَادُ: اسْتَضِئُ بِهَا فَيَكُونَ تَوْرِيَةٌ، فَإِنَّ هَذَا مَعْنًى بَعِيدٌ فِي عُرْفِهِمْ لِهَذَا اللَّفْظِ، وَالقَرِيبُ مَا مَرَّ.
(1) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 31.
(2) (م، س)، ص.31. لم أجد ممن نقل النص غير السمهودي في خلاصة الوفا، ولم ينقله في وفاء الوفا، لذلك لم أتعرف الأعلام الواردة في النص.
(3) (م، س)، ص 31.
(4) (م) س)، ص 32.
(5) مصنف عبد الرزاق، حديث (8845).
(6) المنهاج، النووي، ص 858.
(7) المعجم الأوسط، الطبراني، حديث (876).
63