الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٥و بذلِ": حَالٌ [24] وَالبَاءُ لِلصُّحْبَةِ مُتَعَلَّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ جَوَازًا، أَيْ: مُقْتَرِنَا بِذُلّ، أَوْ مُصْطَحِبًا بِهِ، أَوْ وُجُوبًا، أَيْ: ثَابِتًا مَعَ ذُلّ. وَالفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ.
وَتُقِيلُ": بِمَعْنَى تُسَامِحُ أَوْ تُبْعِدُ، وَذَلِكَ مِنَ الإِسْنَادِ إِلَى المَحَلِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ السَّبَبِ، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ اللهَ يُقِيلُ مَنْ فِيهَا بِسَبَبٍ تَوبَتِهِمْ. وَبَنِي": بِمَعْنَى أَصْحَاب؛ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الابْنِ مُلَازَمَةَ الأَبِ وَالأُمّ؛ فَأَصْحَابُ الزَّلَّاتِ فِي مُلَازَمَتِهِمْ
إِيَّاهَا كَالأَوْلَادِ فِي مُلَازَمَتِهِمُ الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ. فَأَعَارَ بَنِي لِأَصْحَابِ، وَالقَرِينَةُ: الزَّلَّاتُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَهُمْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ بِمَنَ وَلَدَتْهُ الزَّلَّاتُ، لَوْ كَانَ فَهَذَا تَحْيِيلٌ. وَشَبَّهَ الزَّلَّاتِ بِالأُمَّهَاتِ وَرَمَزَ إِلَى ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْأَبْنَاءِ.
وَجَمَعَ النَّارَ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ شَقِيّ جُزْءًا مِنَ النَّارِ هُوَ نَارٌ، بَلْ لِكُلِ وَاحِدٍ نِيرَانٌ، فَإِنَّ النَّارَ الْوَاحِدَةَ لَهَا أَجْزَاء كُلُّ جُزْءٍ هُوَ نَارٌ، وَأَيْضًا تَتَّقِدُ مِنْهُ نِيرَانٌ مُتَعَاقِبَةٌ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
36
وَإِنْ لم تَكُنْ أَهْلًا لِلَثْمِ تُرَابِهَا فَمِنْ شَأْنِهَا الْإِغْضَاءُ عَنْ كُلَّ كَسْلَانِ إِنْ دَخَلْتَهَا وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الإِجْتِهادِ الأَقْصَى الشَّبِيهِ في الشَّدَّةِ بِتَقْبِيل التُرابِ، أو الإِجْتِهادِ الأَقْصَى المتَوَلّدِ مِنهُ أَنْ تُقَبِّلَ تُرَابَها، لمزيدِ الحُبِّ أَقَالَتْ زَلَّاتِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ كَسْلَانٍ الطَّاعَةِ الْقَوِيَّةِ مُقْتَصِرٍ عَلَى الضَّعِيفَةِ.
عن
و " اللَّثْمُ": التَّقْبِيلُ. و"الْإِغْضَاءُ": الصَّفْحُ؛ وذَلِكَ أَنَّ الدِّرْهَمَ فِيهَا بعَشْرَةِ آلافٍ دِرْهَم، والرَّكْعَة بِعَشْرَةِ آلافِ رَكْعَةٍ، وهكذا. والفَاءُ داخِلَةٌ عَلَى عِلَّةِ الْجَوَابِ المُقَدَّرِ كَمَا رَأَيْتَ.
ولَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ يُضَاعَفُ الأَجْرُ يَعْظُمُ عِقَابُ الذَّنْبِ، وَكَذَا الزَّمانُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا
إِلَيْهِ.
37
وَإِنْ لم تَكُنْ حَصَّلْتَ زَادًا مِنَ التَّقْوَى فَزَادُ التَّقَى يَفِي بِأَفْضَلِ أَوْطَانِ وَإِنْ لم تَكُنْ حَصَّلْتَ زَادًا مِنَ التَّقْوَى، قَبْلَ دُخُولِ المَدِينَةِ ولَا بَعْدَهَا، فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ لِأَنَّهُ بِالمَدَاوَمَةِ والإِلْحَاحِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ زَادٌ وَافِيًا. "فَابْقَ فِيهَا مُلِحًا، أَوْ إِن اخْتَرَمَكَ المَوْتُ كُفِيتَ المَوْتَ بقَصْدِكَ إِلَيْها تَائِبًا، وقَدْ تَنَصَّلْتَ مِنْ تِبَاعَةِ الخَلْقِ " (1). فقَولُهُ: "زادُ التَّقَى عِلَّةٌ نَابَتْ عَنِ الْجَوَابِ. و"يَفِي": مضارِعٌ مِنَ الوَفَاءِ أَيْ: رَادُ التَّقَى يَكُونُ وَافِيًا بأَفْضَلِ الأَوْطَانِ. وشَبَّه بعضَ التَّقْوَى بِطَعَامِ المُسَافِرِ وشَرَابِهِ، وأَعَارَ لَفْظَ "زاد" لِجَامِعِ التَّوَصُّلِ إِلَى مُرَادٍ. و"من": لِلتَّبعيض، ويَجُوزُ أَن يَكُونَ لِلْبَيَان، وعَلَى كُلِّ حَالٍ يَكُونُ قوله: "مِنَ التَّقَى" قَرِينَةً.
11
(1) العبارة أضافها المؤلّف على الهامش.
64