الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٣الدَّجَّالُ)) (1).
11
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِي وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ((المدِينَةُ) يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ فَيَجِدُ المَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) (2).
وَقَوْلُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ إِمَّا لِلتَّبَرُّكِ، لِلْجَزْمِ بِذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ، وَإِمَّا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِالاسْتِجَابَةِ. وقَرَنَ الدَّجَّالَ بِالطَّاعونِ مَعَ كَوْنِهِ شَهَادَةً وَرَحْمَةً، لما ثَبَتَ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِأَنَّهُ وَخْرُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، فَقَدْ مُنِعَ مِنْهَا مَرَدَةُ الْجِنِّ، كَمَا مُنِعَ مَرَدَةُ الْإِنْسِ، وأَيْضًا الطَّاعُونُ شِبْهُ (3) أَشْيَاء تَقَعُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَفِيهِ نَوْعُ مُؤاخَذَةٍ، وقَدْ عُوّضَتِ المَدِينَةُ عَنْهُ بِالْحُمَّى. وقِيلَ: المَعْنَى لَا يَدْخُلُهَا مِنَ الطَّاعَونِ مِثْلَ مَا يَقَعُ بِغَيْرِهَا، كَطَاعونِ عَمْوَاسِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَلَمْ [27] تَزَلْ مَحْفُوظَةً فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مُطْلَقًا، كَمَا جَزَمَ بهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ جَمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ آخِرُهُم النَّوَوِي (4). وهذَا الْقَائِلُ فَسَّرَ الطَّاعونَ بِالمَوْتِ الْعَامِ الفَاشِي، وَالصَّوابُ المَرَادُ بِهِ ما يَكُونُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ، فيَهِيجُ بِهِ الدَّمُ فِي الْبَدَنِ. فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِي وغَيْرُهُ حَدِيثَ: ذُكِرَ
لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ بَعْضِ الْأَرْيَافِ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَصَابَهُ الْوَبَاءُ، فَفَزِعَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَطْلُعَ عَلَيْنَا نِقَابُهَا)) (5) يعْنِي طُرُق المدِينَةِ. فَالمَرَادُ بِالْوَبَاءِ هنا: الطَّاعُونُ المعْرُوفُ بِعَلَامَتِهِ، وَإِلَّا فَمَوْتُ الْوَاحِدِ لَا يُفْزِعُ، وَلَا يُسَمَّى مَوْتًا عَامَّا (6). وَفِي صَحِيحِ البُخَارِي قَوْلُ أَبِي الْأَسْوَد: "قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَهُمْ يَمُوتُونَ بِهَا مَوْتًا ذَرِيعًا (7) فَهَذَا وَقَعَ بِالمَدِينَةِ لَكِنَّهُ غَيْرُ الطَّاعونِ (8).
أَحْمَد وروى
11
وابْنُ شَبَّةَ حَدِيثَ مَكَّةُ والمَدِينَةُ مَحْفُوفَتَانِ بِالمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكٌ لَا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ)) (9) كَذَا هُوَ: "لَا يَدْخُلُهَا بِالْإِفْرَادِ، فَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ لِلْمَدِينَةِ فَقَطْ، وإِنْ ثَبَتَ عَدَمُ دُخُولِ الدَّجَّالِ مَكَّةَ، فقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنِ الطَّاعونِ الْعَامِّ سَنَةَ تِسْعِ وأَربَعِينَ وَسَبْعِ مِئَةٍ
،
(1) صحيح البخاري، حديث (1880) وصحيح مسلم، حديث (485). (2) صحيح البخاري، حديث (7473).
(3) في خلاصة الوفا: سببه.
(4) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 39.
(5) المعجم الكبير، الطبراني، حديث (401).
(6) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 39.
(7) صحيح البخاري، حديث (2643).
(8) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 39.
(9) مسند أحمد، حديث (10265). وفي كتاب أخبار مكة لابن شبة، لم أقف عليه.
72