الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٣قالَ: إِنَّ أَصْحَابِي يَصِلُونَكَ إلى الظُّهرِ، واستَأْذَنَ فِي الْحُرُوج إِلَى خَيْمَتِهِ، وجَاءَ أَصْحَابُهُ قَرِيبًا مِنَ اللَّيْلِ، فَأَمَرَ لَهُمْ تُبَّعْ بِضِيافَةٍ، فَلَمَّا كانَ جَوْفُ اللَّيْل أَرْسَلَ إِلَيْهِم لِيَقْتُلَهُم، فَقَطِنَ أُحَيْحَةُ فَانْطَلَقَ فَتَحَصَّنَ بِحِصْنِهِ، فَحَصَرُوهُ ثَلاثًا يَقَاتِلُهُمْ بِالنَّهارِ، وإِذا كانَ اللَّيلُ رَمَى إِلَيْهِم بِتَمْرٍ، فَقَالَ هَذِهِ ضِيافَتُكُمْ. فَأَخْبَرُوا تُبَّعًا أَنَّهُ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْرِقُوا نَخْلَهُ، وَاشْتَعَلَت الحَرْبُ بَيْنَ تُبَّعِ وأَهْلِ المَدِينَةِ مِنَ اليَهُودِ والأَوْسِ والخَزْرَحِ، وتَحَصَّنوا في الأَطَامِ، وجَرَّدَ إلى بَنِي النَّجَّارِ خَيْلًا فَقَاتَلُوهُمْ ورَئِيسُهُم يَوْمَئِذٍ عَمْرُو بنُ طَلْحَةَ أَخُو بَنِي مُعَاوِيَةَ بنِ مَالِك ابنِ النَّجَّار، فرَمَى تُبَّع حُصُونَ الأَنْصَارِ بِالنَّبِلِ. وصُرِع (1) في القِتَالِ فَرَسُ تُبَّعٍ، فَحَلَفَ لَا يَبْرَحُ حَتَّى يَخْرِبَهَا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ أَحْبَارٌ مِنْ يَهُودَ، وَقَالُوا: أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّ هَذِهِ البَلْدَةَ حُفِظَتْ، فَإِنَّا نَجِدُ في الكِتَابِ اسْمَهَا طَيْبَةُ، وإِنَّها مُهَاجَر نَبِيءٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ مِنَ الحَرَمِ، فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهَا، فأُعْجِبَ لِقَوْلِهِمْ وصَرَفَ نِيَّتَه عَنْهَا، وأَمَرَ أَهْلَ المَدِينَةِ أَنْ يَتَبَايَعُوا مَعَ العَسْكَرِ، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ اليَمَنَ، وَمَعَهُ مِنَ الْأَحْبَارِ رَجُلَانِ أَو ثَلَاثَةٌ، قَالَ لَهُم تَسِيرُونَ مَعِي بِكُم لِحَدِيثِكُم، فَكَانُوا يُحَدِّثُونَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْهُم حَتَّى وَصَلُّوا إِلَى الْيَمَنِ، فَكَانوا أَوَّلَ يَهُودٍ دَخَلُوا اليَمَنَ (2). ويُروَى أَنَّهُ قالَ لَهُ في رُجُوعهِ إِلى اليَمَنِ رجالٌ مِنْ هذيل: إِنَّ تحتَ الكَعْبَة كَنْرًا، فَاهْدِمْهَا وخُذْهُ، فقالَ لَهُ الأحْبَارُ الذِينَ نَهَوْهُ عن استِنْصَال المدِينَةِ لِأَنَّها مُهَاجَرَ آخِرِ الأَنْبِيَاءِ، لا تَفْعَلُ أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّما يُريدُونَ إهْلَاكَكَ بِهَدْمِهَا، بل أَكْرِمْهَا وأَهْلَهَا، فَنَحَر أَنْعُما كثيرةً، وأَلْبَسَ الكَعْبَةَ، وَقَالُوا إِنَّهَا بَيتُ اللهِ، فقتَلَ الهُذَلِيَّيْن واستَصْحِبَ الأَحْبارَ إلَى اليَمَنِ، وفِيهَا نَارٌ تَحْرِقُ المُبْطِلَ وقَدْ دَانَ بِدِينِهِم، فَقَالُوا لَهُ: نَدْخُلُها ولا تَحْرِقُنَا، وإن دَخَلَهَا مَن عَبَدَ الأَصْنَامَ أَكَلَتْهُ فَدَخَلوها وخَرَجُوا مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ،
أَيَّامًا آنَسُ
وأَرَادَ عُبَّادُ الأَصْنَامِ أَنْ يَدْخُلُوهَا، فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَثَبَتَ عَلَى دِينِهِمْ وعَلَى هُجْرَانِ الأَصْنَامِ وأَهْلِهَا (3). وذَكَرَ ابن إِسحاق: أَنَّ بَيْتَ أَبِي أَيُّوب الأَنْصَارِي بنَاهُ تُبَّعْ الأَوَّل، واسْمُهُ تِبَان أسعد بن كُلك بن يكرب (4) حِينَ مرَّ بالمدينةِ، وَكَانَ مَعَهُ أَرْبَعُ مِئة عالم، فَتَعَاقَدُوا على أن لَا يَخْرُجُوا عَنهَا، فَسَأَلَهُم تُبَّعٌ عن ذلِكَ، فقالُوا إِنَّا نَجِدُ في كُتُبِنا أَنَّها مُهَاجَرُ نَبِيءٍ اسْمُهُ مُحَمَّد، فَنُقِيمُ لَعَلَّهُ نَلْقَاهُ، فَبَنَى لِكُلِّ دَارًا، وزوَّجَهُ جَارِيَةً، وأَعْطاهُ مَالًا جَزِيلًا (5).
(1) في خلاصة الوفا: وجدع.
(2) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 167 168.
(3) فقرة أضافها المؤلّف في الهامش، لم أجد المصدر الذي نقل منه.
(4) في خلاصة الوفا: بن كلكيكرب، وفي وفاء الوفا: بن كليكرب.
(5) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 168 - 169، نقلا من "المبتدأ" ابن إسحاق. لم أقف عليه في المطبوع.
92