الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٤[35 و] (1) وذَكَرَ القُرْطُبِي (2) أَنَّ الأَنْصَارَ الذِينَ نَصَرُوا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانُوا مِنْ أَوْلَادِ العُلَمَاءِ والحُكَمَاء الذِينَ كَانُوا مَعَ تُبَّعِ الأَوَّل، فيمَا ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاق (3).
وكان تُبَّع مِنَ الذين كانتْ لَهُم الدُّنيا كلُّها، وكانَ كَثِيرَ الوُزراءِ فَاخْتَارَ مِنْهم واحِدًا وَأَخْرَجَهُ مَعَهُ ليَنْظُرَ في مُلْكِهِ، فكانَ إذا أَتَى بَلْدَةً يَخْتارُ مِنْ حُكمائِها عشرَةَ رِجَالٍ، وكان معهُ مِنَ العُلَماءِ والحُكمَاءِ مِنَةُ أَلْفِ رَجُلٍ، ثمَّ الذِينَ اخْتَارَهُم مِنَ البُلْدَانِ، وهذا القَدْرُ غَيْرُ مَحسُوبِ مِنَ الجَيْشِ. ولمَّا انْتَهَى إِلى مَكَّةَ لم يَخْضَع لَهُ أَهْلُ مَكَّةَ تَخْضُوع أَهْلِ البِلادِ، وَلَمْ تُعَلِّمْهُ فَغَضِبَ لِذَلِكَ، ودَعَا وَزِيرَهُ، وكان اسمُهُ عمَّاريا، فقَالَ لَهُ: كَيْفَ شاهَدتَ هذِهِ البَلْدَةَ؟ فإِنَّهم لم يَهَابوني، ولَمْ يَخْشَوا عسكري. فَقَالَ: إِنَّهم بنُو يَعْرُب، لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا، ولَهُمْ بَيْتٌ يُقَالُ لَه الكَعْبَةُ، وَهُمْ مُعْجَبونَ بِهِ ويَسْجُدُونَ فِيهِ لِلْأَصْنامِ، فَنَزَلَ المَلِكُ بِعَسْكَرِهِ في بَطْحَاءَ مَكَّةَ، وعَزَمَ على هَدْمِ الكَعْبَةِ، وقَتْلِ الرِّجَالَ وسَبْيِ النِّسَاءِ، فَأَخَذَهُ اللهُ بالصُّداع، وتَفَجَّر مِنْ عَيْنَيْهِ وأُذُنَيْهِ ومِنْخَرَيْهِ وفَمِهِ مَاءٌ مُنْتِنٌ، فَلَمْ يَصْبِرْ عِندَهُ أَحَدٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ مِنْ نَتْنِ الرِّيحِ، فَاسْتَيْقَظَ لذلِكَ، فقال لوزيره: اجْمَعِ العُلَمَاءَ والحُكَمَاءَ والأَطِبَّاءَ وتَكَلَّمْ معَهُم فِي أَمْرِي. فاجتَمَعَ عِنْدَهُ العَلَمَاءُ والحُكمَاءُ والأَطِبَّاءُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا على الجُلُوسِ عندَهُ سَاعَةً، وعجزوا عن مداواتِهِ، وقالوا: نَحْنُ نَقْدِرُ على مُدَاوَاةِ ما يَعْرِضُ مِنْ أُمورِ الأَرْضِ، وهذَا شَيْءٌ مِنَ السَّمَاءِ لَا نَسْتَطِيعُ
لهُ رَدًّا.
ثمَّ اشْتَدَّ أَمْرُهُ ونَفَرت النَّاسُ عَنهُ، ولَمْ يَزَل أَمْرُهُ في شِدَّةٍ حَتَّى أَقْبَلَ اللَّيلُ فَجَاءَ أَحَدُ العُلَماءِ إِلَى وَزِيرِهِ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سِرًّا، وهُوَ إنْ كانَ الملِكُ يَصْدُقُنِي فِي حَدِيثِهِ عَالَجْتُهُ، فَاسْتَبْشَرَ الوَزِيرُ بذلك، وقَالَ لَهُ قُلْ ما شِئْتَ، فقال: أُرِيدُ الخُلُوَّ، فأَخْلَى لَهُ المكانَ، فَلَمَّا حَلَا مَجْلِسُ المَلِكِ، قال له العالم: أيُّها الملِكُ أَنتَ نَوَيْتَ لهذا البَيْتِ سُوءًا، قالَ: نَعَمْ، نَوَيْتُ حَرَابَهُ وقَتْلَ رِجَالِهِ وسَبْيَ نِسَائِهِ، فقال له العالم: أيُّها الملك هذه النِّيَّة هِيَ التِي أَحْدَثَتْ لَكَ هذا الدَّاءَ، ورَبُّ هذا البيتِ قادر بعِلْمِ الأَسْرارِ، فَبَادِر
وأَخْرِجُ مِن قِبَلِكَ مَا هَمَمْتَ بِهِ مِنْ أَمْرِ هذا البَيْتِ المبارَكِ وأَهْلِهِ، ولَكَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
قال الملِكُ: قد أَخْرَجْتُ ذلكَ مِن قِبَلِي، ونَوَيْتُ لهذا البَيْتِ المبارَكِ ولأَهْلِهِ خَيْرًا.
فلَمْ يَخْرُجُ العَالم مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى بَرَا مِن عِلَّتِهِ، وعَافَاهُ اللهُ تَعَالَى بِقُدرتِهِ، فَآمَنَ بالله مِنْ ساعَتِهِ،
(1) الورقة: [35] [35 ظ] تختلف في المسطرة عن باقي الأوراق، يبدو أن المؤلّفَ أضافها تتمَّةً، والدَّلِيل شطب في الورقة [34 ظ] وشطب في أبيات متكاملة، وكذلك وجود التعقيبة نفسها في الصفحتين. وفي النسخة (ب) الورقة كلها محذوفة.
[36] وهي (2) ذكر ابن حجّة أنّ اسم الكتاب "الإعلام"، ولإبراهيم بن الأمين الطليطلي القرطبي ت: 544 هـ، (أبو إسحاق) استدراك على ابن عبد البر سماه: الإعلام بالخيرة الأعلام من أصحاب النبي. ينظر: الصلة، ابن بشكوال، ص 101، ومعجم المؤلّفين، رضا كحالة، 81/ 1، ولأبي عبد الله محمد، أحمد القرطبي المفسّر كتاب "الإعلام بما في دين النّصارى من الأوهام" مع اختلاف في نسبته إليه، أو إلى القرطبي الآخر أحمد بن عمر صاحب كتاب "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لكن لم أجد في كليهما نقول ابن حجّة التي نسبها للقرطبي.
بن
(3) ثمرات الأوراق ابن حجة الحموي، ص 191، نقلا،
من "الإعلام" للقرطبي.
93