الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١٣ويُؤيّدُهُ أَنَّ أَصْلَ السَّلامِ عُرْفًا مَا يُواجَهُ بهِ المُسَلَّمُ [42] عَلَيْهِ مِنْ قُرْبِ، ويُكَنَّى بِهِ عَنِ الزِّيَارَةِ،
به
وهُوَ سلامُ التَّحِيَّةِ المُسْتَدْعِي الرَّدَّ عَلَى المُسَلّم بنَفْسِهِ أو بِرَسُولِهِ، بِخِلَافِ السَّلامِ الذِي يُقصَدُ الدُّعَاءُ مِنَّا بِالتَّسْلِيم عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى سَوَاء أَكانَ بِلَفْظِ الْغَيْبَة أَمِ الْحُضُورِ، وهُوَ الَّذِي قِيلَ بِاحْتِصَاصِهِ بِهِ عَنِ الأُمَّةِ كَالصَّلاةِ، فَلَا يَقَالُ فُلَانٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وهذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ البَيْهَقِيُّ عَلى حَيَاةِ رسول الله له في قَبْرِهِ وحَيَاةِ سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ في قُبُورِهِم قَالَ: والمَعْنَى إِلَّا وَقَدْ رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِم" (1).
قُلْتُ: فَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرْتُ مِنْ كَثْرَةِ السَّلامِ عَلَيْهِ بِلَا حُضُورٍ عِنْدَهُ، حَتَّى لَا تُتَصَوَّرَ فَتْرَةٌ يَزُولُ رُوحُهُ فِيهَا، فَهُوَ حَيٌّ مُسْتَمِرٌّ.
وقِيلَ: هُوَ خِطابٌ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِم أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن رَدّ الرُّوحِ ليَسْمَعَ، فَكَأَنَّهُ أُسْمِعَهُ تَمَامَ السَّمَاعِ، وأُجِيبَهُ تَمَامَ الإِجَابَةِ، مَعَ دَلالتِهِ عَلَى الرَّةِ عِنْدَ سَلَامِ أَوَّلِ مُسَلّم ولَمْ يردْ قَبْضهَا بَعْدُ، وَلَا قَائِلَ بِهِ لتَوَالِي مَوْتَاتٍ لَا تُحْصَر. وهذَا جَوَابٌ آخَرُ عَمَّا ذَكَرْتُ، أو الرَّدُّ مَعْنَوِي مِنَ الاسْتِغْرَاقِ في مَشَاهَدَةِ التَّسْلِيم، فهوَ الْتِفَاتُ رُوحَانِي إلى دَوائِرِ الْبَشَرِيَّة مِنَ الاسْتِغْرَاقِ فِي الْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ. وأَمَّا حَدِيثُ النَّسَائِي وغَيْرِه: ((إِنَّ للهِ مَلَائِكَةَ سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونَنِي مِنْ أُمَّتِي
السَّلَامَ)) (2) وَأَحَادِيثُ عَرْضِ المَلَكِ صَلَاةَ الْأُمَّةِ وسَلَامَها عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فَذَلِكَ مِنَ الغَائِبِ (3). وأَمَّا الحَاضِر ففِيهِ حَدِيثَانِ الأَوَّلُ عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنهُ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيَّا أُبلِغْتُهُ) رَواهُ جَمَاعَة مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن. قالَ الْبَيْهَقِي: وهُوَ مُحَمَّد بنُ مَرْوَان السَّدِّي (4) فيما أَرَى، وفيه نَظَرُ (5). والثَّاني: قِيلَ: وهُوَ أَضْعَفُ مِنَ الأَوَّل عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنهُ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي وَكَّلَ اللهُ
تَعَالَى بِهَا مَلَكًا يُبَلِّغْنِي، وَكُفِيَ أَمْرَ آخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ، وَكُنْتُ لَهُ شَفِيعًا بِهَا، وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (). وفي رِوَايَة: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إِلَّا وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي، وَكُفِيَ أَمْرَ آخِرَتِهِ
(1) حياة الأنبياء، البيهقي، ص 96.
(2) السنن الكبرى، النسائي، حديث (9811).
(3) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 94.
(4) مُحَمَّد بن مَرْوَان الْكُوفِي يقال له: السُّدِّي الصغير، توفي ما بين 181 - 190 هـ رؤى عن الكلبي تفسيره، قيل: ليس بثقة. الكامل في ضعفاء
الرجال، ابن عدي 512/ 7 وسير أعلام النبلاء، الذهبي، 265/ 5.
(5) حياة الأنبياء في قبورهم، البيهقي، ص 104. (6) تاريخ دمشق، ابن عساكر حديث (7130).
112