إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٢٢

وجَاءَت السُّنَّةُ بزِيَارَةِ القُبُورِ، وقَبْرُهُ الله سَيِّدُ القُبُورِ. وَكَمَا يَزُورُ لا الأَهْلَ الْبَقِيع وقُبورَ الشُّهَدَاءِ،

وقَبْرُهُ أَوْلَى لما لَهُ مِنَ الحقِّ ووُجوبِ التَّعظِيمِ،

ولِتَنَالَنَا الرَّحِمَةُ بِصَلَاتِنا وسَلَامِنَا عَلَيْهِ عِندَ قَبْرِهِ بِحَضْرَةِ الملائكةِ الحَافِّين بِهِ. وفِيهِ التَّبَرُّكُ بذَلِكَ وتأْدِيَةُ الْحَقِّ، ويُذَكِّرُ الآخِرَةَ كَمَا فِي زِيَارَةِ غَيْرِهِ بالإِجْمَاعِ لما سَبَقَ، ولإجماع العُلَمَاءِ عَلَى زِيَارَةِ القُبُورِ لِلرِّجالِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِي (1)، بَلْ قَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّة (2) بوُجُوبها، واخْتَلَفُوا فِي النِّسَاءِ. وامْتَازَ القَبْرُ النَّبَوِيُّ بالأَدِلَّةِ الخَاصَّةِ فَيُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلَّ الخِلَافِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ (3).

وقَوْلُهُ: وَلَوَ أَنَّهُمُ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} (4) الآية يَشْمَل مَجِيئَهُ مَيِّتًا واستِغْفَارِهُم عِنْدَهُ، واستِغْفَارِهُ لِلْجَائِينَ، ولَيْسَ ذَلِكَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ؛ فإذا وُجِدَ المجيءُ واستِغْفَارُ الْجَائِي تَكَمَّلَت الْأُمُورُ الموحِبَةُ لِتَوْبَةِ اللهِ ورَحْمَتِهِ (5).

وَقَوْلُهُ: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) () لا يَقْتَضِي تَأَخَّرَ اسْتِغْفَارِهِ، لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ، والعطفُ عَلَى جَاءُوكَ، فَلَا يَقْتَضِي كَوْنَ اسْتِغْفَارِهِ بَعْدَ اسْتِغْفَارِهِم بَلْ نَقُولُ أَيْضًا إِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَهُم بَعْدَ المَوْتِ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ وَاسْتِغْفَارُهُ لِأُمَّتِهِ عِنْدَ عَرْضِ أَعْمَالِهِم، فَهُوَ مُتَوَفَّعٌ كَمَا فِي الْحَيَاةِ، ويُعْلَمُ مِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ أَنَّه لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ لمنْ جَاءَهُ. وفَهِمَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الآيَةِ العُمُومَ فَاسْتَحَبُّوا لَمَن أَتَى القَبْرَ أَنْ يَتْلُوها ويَسْتَغْفِرَ اللهَ تَعَالَى (7).

وذَكَرَ ابنُ عَساكر (8) وابنُ الجَوْزِيّ (9) وابنُ النَّجَّارِ (10) بسَنَدِهِم إلى محمَّد بن حَرْبِ الْهِلَالي (11) قَالَ: أَتَيْتُ قَبْرَ رَسُولَ الله الله فزرتُه وجَلَسْتُ حدَاءَهُ (12) فَجَاءَ أَعْرَابِيُّ فَذَكَرَ ما ذَكَرَ أَبُو سَعِيد

(1) المجموع شرح المهذب، النووي، 310/ 5.

(2) شفاء السقام، تقي الدين السبكي، ص 236. (3) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 101. (4) سورة النساء: 64.

(5) خلاصة الوفا، السمهودِي، ص 102، بتصرف، وفيه: الجانين بدل الجائين.

(6) سورة النساء: 64.

(7) خلاصة الوفا، السمهودِي، ص 102، بتصرف.

(8) إتحاف الزائر، ابن عساكر، ص 55. (9) مثير العزم الساكن، ابن الجوزي، 301/ 2.

(10) الدرة الثمينة، ابن النجار، ص 224.

(11) محمَّد بن حَرْبِ الْهِلَالي: لم أقف على ترجمة له.

(12) حذاءه: بجنبه.

121