الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٧فيهَا، وَلَا يُخِل بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ، وَالْغَضَبِ عِنْدَ تَضْيِيعِ شَيْءٍ مِنْ حُقوقِهِ إِذْ مِنْ عَلَامَاتِ المَحَبَّةِ غيرةُ المحِبّ لمحْبُوبِهِ، وأَقْوَى النَّاسِ دِيَانَةٌ أَعْظَمُهُمْ غَيرَةٌ، وادّعَاءُ المحبَّةِ بِلَا غيرَةٍ كَذِبٌ (1).
ومِنْها: إذَا دَنَا مِنْ حَرَمِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، وأَبْصَرَ رُبَاهَا وأَعْلَامَها فَلْيَزْدَدْ خضُوعًا وحُشُوعًا ولْيَسْتَبْشِر بالهَنَاءِ وبُلُوغِ المَنَى، وإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا أَوْ بَعِيرٍ أَوْضَعَهُ تَبَاشُرًا بِالمَدِينَةِ، وللهِ دَرُّ القَائِلِ: قُرْبُ الدِّيَارِ يَزِيدُ شَوْقَ الْوَالِهِ سِيَّمَا إِنْ لَاحَ نُورُ جَمَالِهِ أَوْ بَشَّرَ الْحَادِي بِأَنْ لَاحَ النَّقَا وَبَدَتْ عَلَى بُعْدٍ رُؤُوسُ جِبَالِهِ فَهُنَاكَ غِيل (2) الصَّبْرُ مِنْ ذِي صَبْوَةٍ وَبَدَا الذِي يُخْفِيهِ مِنْ أَحْوَالِهِ (3) ويَجْتَهِدُ حِينَئِذٍ فِي مَزِيدِ الصَّلاةِ والسَّلام وترْدِيدِهِمَا كُلَّما دَنَا مِنْ تِلْكَ الأَعْلَامِ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّرَجُل والمشي إِذَا قَرُبَ؛ لِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ [50] لما رَأَوا النَّبِيء لا نزَلُوا عَنْ رَوَاحِلِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ
، وقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُد (4): إِنَّ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ لمن أَمْكَنَهُ مِنَ الرِّجالِ تَوَاضُعًا للهِ وإِجْلَالًا لِنَبِينِهِ (5). وفي "الشَّفَاءِ ": إِنَّ أَبَا الفَضْلِ الْجَوْهَرِي (0) لما ورَدَ المَدِينَةَ زَائِرًا وقَرُبَ مِنْ بُيُوتِها تَرَجَّلَ بِاكِيًا منشِدًا:
وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لم يَدَعْ لَنَا فُؤَادًا لِعِرْفَانِ الرُّسُومِ وَلَا لُبَّا نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبَا (7) وَمِنْهَا: إِذَا بَلَغَ حَرَمَ المَدِينَةِ فَلْيَقُلْ بعْدَ الصَّلاةِ والسَّلَامِ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا هُوَ الحَرَمُ الَّذِي حَرَّمْتَهُ عَلَى لِسَانِ حَبِيبِكَ وَرَسُولِكَ، ودَعَاكَ أَنْ تَجْعَلَ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ والبَرَكَةِ مِثْلَ مَا هُوَ لِحَرَمِ بَيْتِكَ الحَرَامِ، فَحَرِّمْنِي علَى النَّارِ وَأُمِّنِّي مِنْ عَذَابِكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ، وارْزُقْنِي مَا رَزَقْتَهُ أَوْلِيَاءَكَ وأَهْلَ طاعَتِكَ، وَوَفِّقْنِي فِيهِ لِحُسْنِ الأَدَبِ وفِعْلِ الخَيْرَاتِ وتَرْكِ المُنْكَرَاتِ. وإِنْ كَانَ طَرِيقُهُ عَلَى ذِي الحُلَيْفَة فلَا يُجَاوِزُ المُعرّس (8) حَتَّى يُنيخَ بِهِ، ويُصَلِّي بِمَسْجِدِهِ وَمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ).
(1) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 114 - 115. (2) في خلاصة الوفا: عيل.
(3) الأبيات من الكامل، في خلاصة الوفا، ص 115، ووفاء الوفا، 89/ 5، لم أقف عليها في غيرهما، ولم يذكر قائلها.
(4) أبو سليمان داود بن عمر بن إبراهيم، الشاذلي، سبق تعيفه.
(5) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 115.
(6) أبو الفضل الجوهري: عبد الله بن الحسين المصري ابن الجوهري، حدث عن أبي سعد الماليني، روى عنه الحميدي وجماعة، وكان أبوه من العلماء العاملين، ت:480 هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 495/ 18.
(7) الشفا، القاضي عياض، ص 416. البيتان من الطويل، لأبي الطيب المتنبي، الديوان، ص 325.
(8) اسم المسجد ذي الحليفة على ستة أميال من المدينة. كان يُعرسُ فيه النبي الله ويُصلي فيه الصبح ثُمَّ يَرْحَل. الأماكن أو ما اتفق لفظه وافترق الأمكنة، الحازمي، ص 849 والمغانم المطابة، ص 386.
مسماه من
(9) إرشاد السالك، ابن فرحون، 553/ 2.
136