الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٧سَأَلْتُ أَبِي
عَن الرَّجُلُ يَمسُّ قَبْرَ النَّبِي لا يَتَبَرَّكُ بِمَتِهِ وتَقْبِيلِهِ، ويَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْمِنْبَرِ رَجَاءَ ثَوَابِ اللهِ
تَعَالَى، قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ (1).
قَالَ العِيُّ بنُ جَمَاعَة: وهَذَا يُبْطِلُ ما نُقِلَ عَنِ النَّوَوِي مِنَ الإِجْمَاعِ (2).
بن
قَالَ السُّبْكِي: عَدَمُ التَّمَسُّح بِالقَبْرِ لَيْسَ مِمَّا قَامَ الإِجْمَاعُ عَلَيْهِ (3). واسْتَنَدَ في ذَلِكَ لما روَاهُ يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ (4) عَنْ مُحَمَّد بن خَالِد (5) عَنْ أَبِي نَبَاتَةَ عَنْ كَثِيرٍ زَيْدٍ عَن المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حَنْطَب قَالَ: أَقْبَلَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَم فَإِذَا رَجُلٌ مُلْتَزِمُ الْقَبْرَ، فَأَخَذَ مرْوَانُ بِرَقَبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا تَصْنَعُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لم آتِ الحَجَرَ ولَمْ آتِ اللَّبِنَ إِنَّمَا جِئْتُ رَسُولَ اللهِ. أَيْ: لم آتِ المُحَرَّمَ ولَمْ أَبْعُدْ عَنِ الجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ بِالذَّهَابِ إِلَى لَبِنِ الصَّحْرَاءِ، أَو حَجَرِ البِنَاءِ وَلَبِنَاتِهِ. والرَّجلُ أَبُو أَيُّوب الأَنْصَارِي (6). قال السبكي: وعُمَرُ بنُ أَحْمَد لم أَعْرِفْهُ، وابنُ نُبَاتَةَ ومَنْ فَوْقَهُ ثِقَاتٌ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الإِسْنَادُ لم يُكْرَهُ مَنْ جِدَارِ الْقَبْرِ (7).
قَالَ صَاحِبُ "خُلَاصَةِ الْوَفَاءِ": رَوَاهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ، ولَفْظُهُ: أَقْبَلَ مَرْوانُ يَوْمًا فَوَجَدَ رَجُلًا وَاضِعًا وَجْهَهُ عَلَى الْقَبِرِ، فَأَخَذَ مَرْوانُ بِرَقَبَتِهِ ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا تَصْنَعُ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لم آتِ الحَجَرَ، إِنَّمَا أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ الله، ولَمْ آتِ الحَجَرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم [54] يقول: ((لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ، وَلَكِن ابْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ)) (8). وَمَرَّتْ قِصَّةُ بِلال أَنَّهُ أَتَى الْقَبْرَ فَجَعَلَ يَبْكِي ويُمرِّغُ وَجْهَهُ عَلَيْهِ.
وذَكَرَ الْخَطِيبُ بنُ جُمْلَة () أَنَّ بِلالا الله وَضَعَ خَدَّيْهِ علَى الْقَبْرِ الشَّرِيفِ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَر كَانَ
رضي
يَضَعُ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَا شَكٍّ أنَّ الاسْتِغْرَاقَ فِي المَحَبَّةِ يَحْمِلُ عَلَى الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ، والقَصْدُ بِهِ التَّعْظِيمُ، والنَّاسُ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُم كمَا فِي الْحَيَاةِ، فَمِنهُمْ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ بلْ يُبَادِرُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فِيهِ
(1) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 126، العلل ومعرفة الرجال، أحمد بن حنبل، 492/ 2.
(2) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 126.
(3) (م س)، ص 126، شفاء السقام، السبكي، ص 342.
(4) يحي بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله، سبق تعريفه. خالد. (5) في خلاصة الوفا: عمر بن.
(6) لم أجد هذه الرواية، أو أن فيها تداخلا مع كلام المؤلف.
(7) شفاء السقام، الشبكي، ص 343.
(8) مسند أحمد، حديث (23585).
حملة. (9) في خلاصة الوفا: بن
محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة بن مسلم المحجي الدمشقي، فقيه، أفتى وتولى الخطابة بالجامع الأموي بدمشق، ت:764 هـ، له كتب كثيرة، منها: الوقاية الموضحة لشرف المصطفى. طبقات الشافعية الكبرى، السبكي 385/ 10، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 827/ 3.
6
146