الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٠أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وصَدْرِهَا أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ويُكْرَهُ إِلَّا لَمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ (1). قالَ البَاحِي: فَفَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ المَدِينَةِ والغُرَبَاءِ لِأَنَّ الغُرَبَاءَ قَصَدُوا لِذَلِكَ وَأَهْلُ المَدِينَةِ مَقِيمُونَ بِهَا، لم يَقْصِدُوهَا مِنْ أَجْلِ الْقَبْرِ والتَّسْلِيمِ (2).
قالَ السُّبْكِي: والمتَلَخَصُ مِنْ مَذهَبِ مَالِكِ أَنَّ الرِّيَارَةَ قُرْبَةٌ، ولَكِنَّهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ يَكْرَهُ مِنْهَا الإِكْثَارَ الذِي يُفْضِي إِلَى مَحْذُورٍ. والمذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ يَقُولُونَ بِاسْتِحْبَابِهَا وَاسْتِحْبَابِ الْإِكْثَارِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الإِكْثَارَ مِنَ الْخَيْرِ خَيْرٌ (3). وهَذَا مَذْهَبُنَا
للْغَرِيبِ وَغَيْرِهِ مَعْشَرَ الإِبَاضِيَّةِ.
قَالَ النَّوَوِي مِنَ الشَّافِعِيَّة: يُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنَ الزِّيَارَةِ وأنْ يُكثرَ الوُقُوف عِنْدَ قبُورِ أَهْلِ الخَيْرِ والفضل (4).
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّد بنِ عَقِيل شَارِحُ "أَلْفِيَّةِ بنِ مَالِك": كُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ حتَّى آتي المسْجِدَ، فَأَبْدَأُ بِالنَّبِي فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ (5).
ولابْنِ زَبَالَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ مُحَمَّد ()): رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْل المدِينَةِ، يُقالُ لَهُ مُحَمَّد بنُ كَيْسَانَ، يَأْتِي إِذَا صَلَّى العَصْرَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعةِ، ونَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَبِيعَةَ، فَيَقُومُ عِندَ الْقَبْرِ فَيُسلِّمُ وَيَدْعُو حَتَّى يُمْسِي [55] فَيَقُولُ جَلَسَاءُ رَبِيعَةَ انْظُرُوا إِلَى مَا يَصْنَعُ هذَا فَيَقُولُ: دَعُوهُ فَإِنَّمَا لِلْمَرْءِ مَا نَوَاهُ (7). قالَ الشَّافِعِي: قالَ ابْنُ عَجْلان (8) لِبَعْضِ الأُمَرَاءِ: إِنَّكَ تُطِيلُ ثِيَابَكَ، وتُطِيلُ الخُطْبَةَ، وتُكْثِرُ المجيءَ إِلَى قَبْرِ النَّبِي، فَقَالَ: أَمَّا ثِيَابِي فَإِنِّي أَكْسَاهَا وأَمَّا الخُطْبَةُ فَإِنِّي أَتَعَلَّمُها، وأَمَّا كَثْرَةُ المجيء إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ الا الله فَلَوْ كَانَ فِيهِ العَجِلَانُ مَا أَتَيْتُهُ (9).
ولَعَلَّهُ أَرَادَ بِالعَجْلَانِ أَبَا ذَلِكَ الرَّجُلِ، أَوْ كَانَ الأَمِيرُ رَافِضِيّا، فَيَكُونُ اللَّفْظُ تَثْنِيَةً، وَلَا أَدْرِي ما المرادُ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وعُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَا أَفْضَل فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي صَحَابَةِ الْأَنْبِتَاءِ مِنْهُما، وإِنَّمَا سَمَّاهُما بِاسْمِ الْعجل بَعْضُ الرَّوَافِضِ لَعَنَهُم الله.
(1) الشفا، القاضي عياض، ص 448.
448
(2) الشفا، القاضي عياض، ص (3) شفاء السقام، الشبكي، ص 216.
(4) الأذكار النووية، النَّوَوِي، ص 226.
(5) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 130.
(6) عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدَّرَاوَرْدِي (دراورد قرية بخراسان) العالم المحدّث نزل المدينة، ت: 187 هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 366/ 8. (7) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 130، وينظر: اقتضاء الصِّراط المستقيم، ابن تيمية، 731/ 2.
(8) محمد بن عجلان القرشي المدني ولد في خلافة عبد الملك بن مروان حدث عن أبيه وغيره، حدث عنه شعبة وسفيان وغيرهما، وكان فقيها عابدا، ت: 148 هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 317/ 6.
(9) خلاصة الوفا، السمهودي، ص
130
149