الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٣واقفًا هُنَاكَ حَتَّى رَحَلَ الرَّكْبُ، وخَطَرَ لي الحُرُوجُ لِلْبَقِيعِ فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ؟ هَذَا بَابُ اللهِ تَعَالَى
مَفْتُوحٌ لِلسَّائِلِينَ، والمتَضَرِّعِينَ، ولَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَقْصِدُ مِثْلَهُ (1).
قالَ
في "الخُلَاصَةِ": هذَا فِيمَنْ مُنِحَ دَوَامَ الحُضُورِ وعَدَمَ الملل، وإِلَّا فَالتَّنَقُلُ فِي تِلْكَ البِقَاعِ أَوْلَى وَأَدْعَى لِلنَّشَاطِ (2).
ومِنْهَا: أَنْ يُلاحِظَ بِقَلْبِهِ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بالمدِينَةِ جَلَالَتَها وترَدُّدَهُ لال لاله فِيهَا وَمَشْيَهُ فِي بِقَاعِهَا ومَحَبَّتَهُ لَهَا وتَرَدُّدَ جِبْرِيلَ فِيهَا الله بِالْوَحْيِ، وَلَا يَرْكَبُ بِهَا دَابَّةَ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى المَشْيِ، كَمَا فَعَلَ مَالِك، وقَالَ: أَسْتَحِي مِنَ اللهِ أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحَافِرِ دَابَّتِي، وفِي رِوَايَةٍ: أَخْشَى أَنْ يَقَعَ حافِرُ الدَّابَّةِ فِي مَحَلِّ مَشْيِ رَسُولِ اللهِ (3) ويَؤُمُّ نَفْسَهُ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بزِمَامِ الخَشْيَةِ والتَّعْظِيمِ، ويَخْفِضُ جَنَاحَهُ ويَغُضُّ صَوْتَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). وَلَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: آلَيْتُ أَن لَا أُكَلَّمَ [56] رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأَكَأَخِي السرار (5). وحرْمَتُهُ مَيْتًا كَحَرْمَتِهِ حَيًّا (6).
3
ومنْهَا: مَحَبَّةُ سُكان المدِينَةِ، ولَاسِيَّمَا العُلَمَاء والصَّلَحَاء والأَشْرَاف والْخَدَم. قالَ المجدُ: وهَلُمَّ جَرًّا إِلَى عَوَامِّهَا وحَوَامِّهَا عَلَى حَسَبٍ مَرَاتِبِهِم إِلَى مَنْ لَا تَبْقَى لَهُمْ مَزِيَّةٌ سِوَى كَوْنِهِمْ جِيرَانًا، فَأَعْظِمْ بالْجَارِ مَزيَّةً لِأَنَّهُ الله صلى الله عليه وسلم أَوْصَى بالجَارِ، ولَمْ يَحُصُّ جَارًا مِنْ جَارٍ (7).
قال: وكُلُّ ما احْتَجَّ بِهِ مُحْتَجٌ مِنْ رَمْي عوَامِهِمْ بالابْتِدَاعِ وتَرْكِ الاتِّبَاعِ، فَإِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ فِي شَخْصٍ لَا يُتْرَكُ إِكْرَامُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الجَارِ وَلَوْ جَارَ، وَلَا يَزُولُ عنهُ شَرَفُ مُسَاكَنَتِهِ فِي الدَّارِ كَيْفَ دَارَ، بَلْ يُرْجَى أَنْ يُحْتَمَ لَهُ بِالْحُسْنَى ويُمْنَحَ بَبَرَكَةِ القُرْبِ الصُّورِي قُرْبَ المَعْنَى. فَيَا سَاكِنِي أَكْنَافَ طَيْبَةَ كُلُّكُمْ إِلَى الْقَلْبِ مِنْ أَجْلِ الْحَبِيبِ حَبِيبُ (8)
(1) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 132.
(2) (م، س)، ص 132.
(3) (م، س)، ص 132.
(4) سورة الحجرات: 3.
(5) مسند البزار، حديث (56)، والمستدرك الحاكم، حديث (3720).
(6) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 132.
(7) (م، س)، ص 132.
(8) البيت من الطويل. ينظر: نفح الطيب، المقري، 45/ 1. وروضة المحبين ابن القيم، ص 381. كلاهما دون نسبة، وقد نسبه محقق روضة
المحبين للأحنف بن قيس.
152