الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٤اه (1)
ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ فِيهَا بِمَا أَمْكَنَهُ قالَ فِي شَرْح المهَذَّب: ويَخْصُّ أَقَارِبَهُ بِمَزِيدٍ لِحَدِيثِ مُسْلِم: ((أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)) (2).
ومِنْهَا: اسْتِحْبَابُ المجَاوَرَةِ بِهَا لمنْ قَدرَ عَلَيْهَا، مَعَ رِعَايَة الأَدَبِ وانْشِرَاحِ الصَّدْرِ ودَوَامِ السُّرُورِ، والفَرَحِ بِمُجَاوَرَةِ هَذَا النَّبِيءِ الكَرِيمِ، والإِكْثَارُ مِنَ التَّضَرُّع والدُّعاءِ بِالتَّوْفِيقِ لِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَقَرْنُهَا بِحُسْنِ الأَدَبِ اللَّائِقِ بِهَا، وجَبْرُ التَّقْصِيرِ فِي القِيَامِ بِحَقِّهَا وَالاِعْتِرَافُ بذَلِكَ، مَعَ الْحِرْصِ عَلَى فِعْلِ أَنْوَاعِ الخَيْرَاتِ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ،
ولَا يَضِيقُ عَلَى مَنْ بِهَا بِسُكْنَى الأَرْبِطَةِ وَأَحْذِ الصَّدَقَةِ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضِ لِذَلِكَ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ. وَلَا يَنْتَحِلُ مَا صُورَتُهُ عِبَادَةٌ وفَائِدَتُهُ دُنْيَا كَإِمَامَةٍ وأَذَانٍ وتَدْرِيس وقَرَاءَةِ، أَوْ خِدْمَةٍ فِي الحَرَمِ إِلَّا أَنْ يُخْلِص النِّيَّةَ أَوْ تَدْعُوهُ الحَاجَةُ إِلَيْهِ. قَالَهُ الأَقْشهري (3) (4). ومِنْهَا: إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلْيُوَدِّعْ المَسْجِدَ الشَّرِيفَ بِرَكْعَتَيْنِ بالمصَلَّى النَّبَوِيِّ، أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ الحَمْدِ والصَّلاةِ والسَّلام: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ والتَّقْوَى، ومِنَ الْعَمَلِ ما تُحِبُّ وتَرْضَى، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ ويَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ بِهَذَا المَحَلَّ الشَّريف، ويَخْتِمُ بِالْحَمْدِ والصَّلاةِ والسَّلام، ويَأْتِي القَبْرَ الشَّرِيفَ ويُسَلِّمُ ويَدْعُو بِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا، وَيَقُولُ: نَسْأَلُكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَسْأَلَ اللهَ تَعَالَى أَلَّا يَقْطَعَ آثَارَنَا مِنْ زِيارَتِكَ، وأَنْ يُعِيدَنا سالمينَ، وَأَنْ يُبَارِكَ لَنَا فِيمَا وَهَبَ لَنَا، ويَرْزُقَنَا الشُّكْرَ علَى ذلِكَ. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ العَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولِكَ وَحَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ، ويَسِّرْ لِي العَوْدَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلًا [56] سهْلَةً وارْزُقْنِي العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي الدُّنيا والآخِرَةِ (5). وصَرَّحَ الكَرْمَانِي بِتَقْدِيمِ ودَاعِ النَّبِي علَى تَوْدِيعِ المَسْجِدِ بِالرَّكْعَتَيْن. والأَوَّلُ هُوَ المَشْهُورُ والأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ: كَانَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا وَدَّعَهُ بِرَكْعَتَيْنِ)) (6).
ثمَّ يُنْصَرِفُ الزَّائرُ عَقِبَ ذَلِكَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَلَا يَمْشِي إِلَى خَلْفِهِ، ويَكُونُ مُتَأَلّمًا مُتَحَرِّنَا عَلَى الفِرَاقِ ومَا يَفُوتُهُ مِنَ البَرَكَاتِ. وهُنَاكَ تَظْهَرُ مِنَ المحبّينَ شَوَاهِدُ العَبَرَاتِ وتَتَصَعَّدُ مِنْ بَوَاطِنِهِمْ لَوَاحِقُ الزَّفَرَاتِ، ويكُونُ معَ ذلِكَ دَائِمَ الأَشْوَاقِ لِذَلِكَ المَزارِ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِالْعَوْدِ لِتِلْكَ الدِّيَارِ، وللهِ دَرُّ القَائِلِ:
(1) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 133.
(2) صحيح مسلم، حديث (36) والمجموع شرح المهذب، النووي، 259/ 8.
(3) سبقت ترجمته، قال د. قاسم السامرائي: الظاهر أن أقوال الأقشهرِي هذهِ من كتابه الآخر "منسك القاصد الزائر" الذي لم يصل إلينا بعد. وفاء
الوفا، 123/ 5، الحاشية رقم 1. (4) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 133. (5) (م، س)، ص 133.
(6) الحديث في مسند أبي يعلى، حديث (4315) والمعجم الأوسط، الطبراني، حديث (3441) والسنن الكبرى، البيهقي، حديث (10323)
وصحيح ابن خزيمة، حديث (2568).
153