الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٠لِلطَّحَاوِي (1) وغَيْرِهِ مِنَ المالِكِيَّة (2)، ولا يُنافِي ذَلِكَ تَفْضِيلُ النَّفْلِ بِالبَيْتِ بِحَدِيثِ: ((أَفْضَلُ صَلَاةِ المرءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةُ)) (3) إِذْ غَايَتُهُ أَنَّ لِلْمَفْضُولِ مَزِيَّةً هِيَ المضَاعَفَةُ لَيْسَتْ لِلْفَاضِلِ، وَمَزِيَّةُ الفَاضِلِ أَرْجَحُ مِنْهَا كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِي وغَيْرُهُ (4). وقالَ ابْنُ حَجَرٍ يُمْكِنُ إِبْقَاءُ حَدِيثِ: أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ) عَلَى عُمُومِهِ فَتَكُونُ النَّافِلَةُ فِي بَيْتِهِ بالمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ بَبَيْتٍ فِي غَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي المَسْجِدَيْن، وإِنْ كَانَتْ فِي البُيُوتِ أَفْضَل مُطلَقَ التَّصْعِيفِ، والتَّفْضِيلُ المذْكُورُ يُرْجِعُ إِلَى التَّوابِ لَا إِلَى الإِجْزَاءِ عَمَّا الدِّمَّةِ مِنَ المُقْضِيَّاتِ إِجْمَاعًا، خِلَاف ما يُوهِمُهُ قَوْلُ النَّقَّاش (5): حَسِبْتُ الصَّلاةَ بِالمَسْجِدِ الحَرَامِ فَبَلَغَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِهِ عُمُرَ خَمْسٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وسِتَةَ أَشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً ا. هـ (6) وهَذَا مَعَ قَطْع النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الصَّلاةِ فِيمَا سِوَى المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِعَشْرِ، إِذ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، وعَنْ تَضْعِيفِ
في
الجَمَاعَةِ والسِّوَاكِ ونَحْوِهِمَا، ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّضْعِيفَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلاةِ كَمَا صَرّحَ بِهِ فِي مكة (7). وَذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ": إِنَّ الأَعْمَالَ فِي المَدِينَةِ تُضَاعَفُ، وذَكَرَ حدِيث: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ)) (8) ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ بِالمَدِينَةِ بِأَلْفٍ (9).
وصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ الشَّاذلي المالكي، ويَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنهُ: ((الصَّلَاةُ) فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ [58] إِلَّا المَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَالْجُمُعَةُ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ جُمُعَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الْحَرَامَ وَشَهْرُ رَمَضَانَ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الْحَرَامَ)) وعَن ابْنِ عُمَر
نَحْوُه (10).
(1) الطحاوي: أحمد
بن محمد بن سلامة المصري الحنفي، محدث مؤرخ حافظ، من تصايفه: ه: أحكام القرآن المختصر في الفقه، مشكل الآثار.
سير أعلام النبلاء، الذهبي، 27/ 15، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 267/ 3.
(2) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، ص 863، وإعلام الساجد، الزركشي، ص 124.
(3) صحيح البخاري، حديث (7290). (4) إعلام الساجد، الزركشي، ص 125.
(5) محمد بن الحسن بن محمد البغدادي، المعروف بالنقاش (أبو بكر) مقرئ، مفسر، سمع بالكوفة والبصرة ومكة ومصر والشام والجزيرة والموصل والجبال وخراسان وما وراء النهر، وحدث عن خلق كثير، ت: 351 هـ. من تصانيفه: شفاء الصدور في التفسير، الاشارة في غريب القرآن، أخبار
القصاص. سير
أعلام النبلاء، الذهبي، 214/ 9 ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 233/ 3
(6) فتح الباري، ابن حجر، 68/ 3. (7) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 139.
(8) صحيح البخاري، حديث (1190).
(9) إحياء علوم الدين، الغزالي، 288/ 1. (10) شعب الإيمان، البيهقي، حديث (3851).
159