الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٩بَرَكَتِهَا، والإِخْبَارُ بِذَلِكَ إِلَّا تَعْمِيرُهَا بِالطَّاعَاتِ (1).
وفي
"الْحُلَاصَة": قُلْتُ: ولِذَا رَوَى ابْنُ زَبَالَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: وَجَدَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيْد أُسَامَةُ بنُ زَيْد بن حارثة
أُصَلِّي فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَأَخَذَ بِعُنُقِي فَسَاقَنِي حَتَّى جَاءَ بِي إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: صَلِّ هَا هُنَا (2). ثُمَّ قَالَ (3): ويَحْتَمِلُ أَنَّ تِلْكَ البُقْعَةَ نَفْسَهَا الآنَ مِنَ الجِنَّةِ كَمَا أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ مِنْهَا وَيَعُودُ رَوْضَةً فِيهَا وَلِلْعَامِلِ بِالْعَمَلِ فِيهِ رَوْضَةٌ، قَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِعُلُو مَنْزِلَتِهِ ولِيَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُبُوَّةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ فِي هَذَا شَبَهُ فَالْخَلِيلُ (4) حُصَّ بِحَجَرٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَالْخَلِيلُ بِالرَّوْضَةِ مِنْهَا (5). قالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ": هَذَا هُوَ الأَرْجَحُ والظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ مَالِك لِحَمْلِهِ اللَّفْظَ عَلَى ظَاهِرِهِ إِذْ لَا مُقْتَضَى لِصَرْفِهِ عَنْهُ، وَلِذَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى تَفْضِيلِ المَدِينَةِ بِضَمِيمَةِ [61] حَدِيثِ: ((لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (((((وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنَ الجَنَّةِ حَقِيقَةٌ لَكَانَتْ
(118)
كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرِى) (7) وإِنَّمَا المَرَادُ أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا يُودِي إِلَى الجَنَّةِ (8). وقَالَ الجَمَالُ الرَّاسَانِي (9): إِنَّ القَوْلَ بِأَنَّهَا نُقِلَتْ مِنَ الجِنَّةِ يُودِي إِلى إِنْكَارِ المحْسُوسَاتِ أو
الضَّرُورَاتِ، ومِثْلُ هَذَا إِنَّما طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ كَمَا جَاءَ فِي الحجر الأسود والمقام (10). قُلْتُ: المَخْبِرُ بأَنَّهَا مِنَ الجَنَّةِ هُوَ المخبِرُ بأنَّ الحَجَر والمقامَ [منها] (11) ولا يَشْهَدُ (12) في ذلِكَ شُهودُ المذكورَاتِ كَمَخْلُوقَاتِ الدُّنْيا لمنْعِ الحُجُبِ الكَثِيفَةِ عَنْ شُهُودِ الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا يَلْزَمُ مِن انْتِفَاءِ الجُوعِ والعُريِ عَمَّنْ حَلَّ فِي الْجَنَّةِ انْتِفَاؤُهُما عَمَّن حَلَّ فِيمَا نُقِلَ مِنْهَا، وَإِلَّا لَزِمَ بذَلِكَ نَفْيُ كَوْنِ الحَجَرِ والمَقَامِ منْها حَقِيقَةً، ولَا قَائِلَ بهِ، والأَصْلُ عَدَمُ المجَازِ (13).
(1) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 148، وينظر: بهجة النفوس، ابن أبي جمرة، 91/ 2 وما بعدها.
(2) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 148. (3) أي: ابن أبي جمرة.
(4) في الأصل: فالخلل، وهو خطأ، كما يبينه النص المنقول أسفله.
(5) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 148 وفيه: فالخليل حُصَّ بالحجرِ من الجنة، والحبيب بالروضة. وينظر: بهجة النفوس، ابن أبي جمرة، 93/ 2. (6) مسند أحمد، حديث (12556) و (12557).
(7) سورة طه: 118.
من
(8) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 148. وقول ابن حزم نقله فتح الباري، 100/ 4. (9) الجمال الراساني: محمد بن عبد الله بن أبي بكر الرَّيْمِي اليمني، فقيه، درس وأفتى، وكان مقدما عند الملوك، وتولى قضاء الأقضية بزبيد، من آثاره: التفقيه في شرح التنبيه للشيرازي في فروع الفقه الشافعي، بغية الناسك في المناسك، والمعاني البديعية في اختلاف علماء الشريعة. معجم
المؤلفين، رضا كحالة، 432/ 3.
(10) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 148.
(11) زيادة من خلاصة الوفا. (12) في خلاصة الوفا: ولا يقدح. (13) خلاصة الوفا، السمهودي، ص 149.
168