الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٠وأَمَّا ما قِيلَ مِنْ حَمْلِها علَى التَّواضُع فلا يَصِحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَه النَّهْيُ عَمَّا هُوَ حَقٌّ مُوحَى بِهِ فَلَا
يَفْعَلُهُ حاشَاهُ.
وقيل: هِيَ فِي التَّفضيل بالرَّأْيِ، ورُدَّ هذا بِالإِجْمَاعِ على مَنْعِ تَفْضِيلِهِ بِالرَّأْيِ وَفِيهِ أَنَّ الإِجْمَاعَ على مَنْعِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُرَادًا فِي الحَدِيثِ بالمنْعِ. وأَمَّا الحدِيثَانِ الصَّحِيحَان عنه: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ متّى)) (1) ((مَنْ) قَالَ أَنَا [65] خَيْرٌ مِنْ يُونُس بن مَتَّى فَقَدْ كَذبَ)) (2). ففِيهِمَا الأَجُوبَةُ السَّابِقَةُ، وزِيَادَةُ أَنَّ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ فِيهِمَا بِيُونُسَ نَفْيْ تَوَهُم التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي القُربِ مِنَ الْحَقِّ جَلَّ وعَلَا؛ لِاخْتِلَافِ مَحَلِّهِمَا الصُّورِي بِرَفْعِ نَبِيئِنَا صلى الله عليه وسلم إِلَى مَا فَوْقَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، ونُزُولِ يُونُسَ إِلَى قَعْرِ الْبَحْرِ؛ أَيْ: لَا تَتَوَهَّمُوا مِنْ هَذَا التَّفَاوُتِ الحِسّي تفَاوُتًا فِي القُرْبِ والبُعدِ مِنَ اللهِ، بَلْ نِسْبَةُ كُلِّ إِلَيْهِ وَاحِدَةٌ وإِنْ تَفَاوَتَ مَكَانُهُ لِتَعَالِيهِ عَن الجِهَةِ والمَكَانِ فَهُوَ نَهْي عَنْ تَفْضِيلٍ بِمَكَانٍ، لَا مُطْلَقًا.
ومن
فَضْلِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى إِمَامًا لِلْأَنْبِنَاءِ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ.
وعنْ عَلِيّ بن أبي طالب أنَّهُ قالَ: لم يَبْعَث اللهُ تعَالَى نَبِيئًا مِنْ آدَم فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ فِي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَئِنْ بُعِثَ وَهُوَ حَيٌّ لَيُومِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، ويأْخُذُ العَهْدَ بِذَلِكَ عَلَى قَوْمِهِ (3). وهُوَ يُرْوَى عن ابن عباس أَيْضًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا (4).
وقيل: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لمَّا خَلَقَ نور نبيئنَا مُحَمَّدٍ لا لا له أَمَرَهُ أنْ يَنْظُرَ إلَى نُورِ الأَنْبِنَاءِ عَلَيْهِم السَّلَامُ فغَشِيَهُم مِنْ نُورِهِ ما أَنْطَقَهُم اللهُ بهِ وقَالُوا: يا رَبَّنَا مَنْ غَشِيَنا نورُهُ؟ فَقَال الله تَعَالَى: هَذَا نُورُ مُحَمَّد بنِ عبدِ اللهِ إنْ آمَنْتُم بِهِ جَعَلْتُكُم أَنْبِنَاءَ، قالُوا آمَنَّا بِهِ وبِنُبُوءَتِهِ، فقالَ اللهُ تَعَالَى: أَشْهَدُ عَلَيْكُم؟ قالُوا: نَعَمْ، فَذَلِك قَوْلُهُ تعالى: وَإِذَ اَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّينَ لَمَا أَتَيْنَكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَةٌ إلى قوله: {وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ
(81)
الشاهدين (65).
(1) صحيح البخاري، حديث (4603)، وصحيح مسلم، حديث (43).
(2) صحيح البخاري، حديث (4604).
(3) تفسير الطبري، 555/ 6، والشفا، القاضي عياض، ص 140.
(4) المواهب اللدنية، القسطلاني، 66/ 1.
(5) سورة آل عمران: 81.
(6) المواهب اللدنية، القَسْطَلَّاني، 67/ 1.
179