الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨١قال السبكي: هذِهِ الآية تنوية بالنَّبِي الهلال وتعْظِيمُ قَدْرِهِ العَليّ ما لَا يَخْفَى، وعَلَى تَقْدِيرِ مَجِيئِهِ في زمَانِهِم يَكُونُ مُرسَلًا إِلَيْهِمْ، فَرِسَالَتُهُ عَامَّة لِجَمِيعِ الخَلْقِ مِنْ زَمَانِ آدَمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَالْأَنْبِتَاءُ وأُمَمُهُم كُلُّهم مِنْ أُمَّتِهِ).
فالأَنْبِقَاءُ قَبْلَهُ نُوَّابٌ عنهُ يُبَلِّغُونَ شَرَائِعَ خاصَّةً في زَمَانٍ خَاصٌ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدٌ. ويكُونُ قوله: (بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً (2) لَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّاسُ مِنْ زَمَانِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بَلْ يَتَناوَلُ مَنْ قَبْلَهُم أَيْضًا ويَتَبَيَّنُ بِهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كُنْتُ نَبِيئًا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ)) (3)
فالنَّبي صلى الله عليه وسلم نَبِيءُ الأَنْبِنَاءِ فَهُمْ لِذَلِكَ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، ومأْمُومُونَ لَهُ لَيْلَةَ الإِسْراء (4). ا. هـ قالَ اللهُ تَعَالَى: وَإِذَ اَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِينَ لَمَا) (5) الآية قال الحسن وطاوس وقتادة: أَخْبَرَ تعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقَ كُلِّ نَبِيءٍ بَعَثَهُ مِنْ لَدُنْ آدمَ عَلَى مُحَمَّدٍ الله أَنْ يُصَدِّقَ بعضُهُمْ بَعْضًا (0)؛ أَيْ: فكُلُّ يُصَدِّقُ جَمِيعَ مَنْ بَعْدَهُ حَتَّى يُصَدِّقَ كُلُّهُم سَيِّدَنا مُحَمَّدًا، وقيل: المَعْنَى أَنَّه تعالَى أَخَذَ الميثاق [65] مِنَ النَّبيئينَ وأُمَمِهِمْ، واسْتَغْنَى بِذِكْرِهِمْ، عَنْ ذِكْرِ الأُمَمِ. وعَنْ عليّ بن أبي طالب وابنِ عَبَّاسٍ: ما بَعَثَ اللهُ نَبِيئًا مِنَ الأَنْبِنَاءِ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ المِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيْ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرنَّهُ (7). قَالَهُ قتادة والحَسَنُ وطَاوُسُ لَا يُضَادُّ ما قَالَهُ عَلِيّ وابنُ عَبَّاسٍ وَلَا يَنْفِيهِ بَلْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كَمَا
فَسَّرْتُهُ.
وما
وقيل: إِنَّ الأَنْبِقَاءَ كانُوا يَأْخُذُون الميثَاقَ مِنْ أُمَمِهِمْ بِأَنَّهُ إِذَا بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَأَنْ يَنْصُرُوهُ، واحْتُجَّ لَهُ بِأَنَّ الذِينَ أَخَذَ اللهُ الميثَاقَ مِنْهُمْ يَجِبُ عليْهِم الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَبْعَثِهِ، وكَانَ الأَنْبِقَاءُ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ الله مِنْ جُمْلَةِ الأَمْوَاتِ والميّتُ لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَتَعَيَّنَ أَن يَكُونَ الميثاق مأْخوذا علَى الأُمَمِ. ويُؤَكِّدُ هذا أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الذِينَ أَخَذَ عَلَيْهِم المِيثَاقَ وَأَنَّهُمْ لَوْ تَوَلَّوْا لكَانُوا فاسِقِينَ،
وهَذَا الوَصْفُ لَا يَلِيقُ بالأَنْبِنَاءِ، وإِنَّما يَلِيقُ بالأُمم. وأَجَابَ الفَحْرُ بِأَنَّ المرادَ أَنَّ الأَنْبِنَاءَ لو كانُوا في الحَيَاةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِم الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ، ونَظِيرُهُ
(1) المواهب اللدنية، 67/ 1، التعظيم والمنة، السبكي، ص 85.
(2) صحيح البخاري، حديث (438).
(3) مسند أحمد، حديث (16623).
(4) المواهب اللدنية، القَسْطلاني، 67/ 1، التعظيم والمنة، السبكي، ص 86.
(5) سورة آل عمران: 81.
(6) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 100/ 3.
(7) (م، س)، 100/ 3.
180