الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٢قوْلُهُ تعالى: لَينَ أَشْرَكْتَ (1) وقَدْ (1) وقَدْ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ لا يُشرِكُ، ولَكِنْ خَرَجَ هَذَا الكَلَامُ عَلَى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِير، وكذَا خَرَجَ قَوْلُهُ عزَّ وعَلَا: وَلَوْ نَقَولَ عَلَيْنَا (2) وقَوْلُهُ في المَلَائِكَةِ: وَمَنْ مَنْ يَقُل
دوو
منهم (3) الآيَتَيْنِ (4). بل قَوْلُهُ: {وَلَوْ نَقَولَ إلخ نَفْي فإذا وجَبَ على الأَنْبِقَاءِ الإِيمَانُ بِهِ صلى الله عليه وسلم فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى أُمَمِهِمْ، فَصَرْفُ هذا الميثَاقِ إلى الأَنْبِنَاءِ أَقْوَى في تَحْصِيلِ المُقْصُودِ، وَإِنَّما أَخَذَ لَهُ المواثيق على الأَنْبِنَاءِ لِيَعْلَموا أَنَّهُ المقدَّمُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ نَبِيتُهُم ورَسُولُهُمْ.
وفي أَخْذِ المَوَاثِيقِ لَطِيفَةٌ هِي: كأَنَّها أَيْمانُ البَيْعَة التي تُؤخَذُ للْخُلَفَاءِ، وَلَعَكَ أَيْمَانَ الخُلَفَاءِ أُخِذَتْ مِنْ هُنَا، والموَاثِيقُ فِي مَعْنَى الاسْتِحْلَافِ، كما دَخَلَتْ لَامُ القَسَمِ، بعْدَهَا، فَرِسَالَتُهُ إِلَيْهِمْ أَمْرٌ حاصِلٌ لَهُ، وإِنَّما أَمْرُهُ مُتَوَقِّفٌ على اجْتِمَاعِهِم مَعَهُ فَتَأَخُرُ ذلكَ لِأَمْرِ رَاجِعِ إِلَى وُجُودِهِمْ، لَا إِلَى عَدَمِ اتِّصافِهِمْ
بِمَا يَقْتَضِيهِ.
وفَرْقٌ بَيْنَ تَوَقُفِ الفِعْلِ عَلَى قبول المحَلّ، وتَوَقُفِهِ علَى أَهْلِيَّةِ الفَاعِلِ، وَهُنَا لَا تَوَقُفَ مِنْ جِهَةِ الفَاعِلِ ولَا مِنْ جِهَةِ ذَاتِ النَّبِي الهلال الشَّرِيفَةِ، وإِنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ وجُودِ العَصْرِ المُشْتَمِل عَلَيْهِ، فَلَوْ وُجِدَ في عَصْرِهِم لَزِمَهُم اتِّباعُهُ بِلَا شَكٌ، ولِهَذَا يَأْتِي عِيسى في آخِرِ الزَّمَانِ على شَرِيعَتِهِ. وَهُوَ نَبِيءٌ كريم علَى حَالِهِ، إِلَّا أَنَّهُ واحِدٌ مِنَ الأُمَّة؛ لِأَنَّهُ يَتَّبِعُهُ فَيَحْكُمُ بالقرآنِ والسُّنَّةِ، فَهُوَ رَسُولٌ إِلَى الْأَنْبِنَاءِ وأُمَمِهِمْ، فَنُبُوءَتُهُ ورِسَالَتُهُ أَعَمُّ وأَشْمَلُ وأَعْظَمُ ومُتَّفِقَةٌ مع شرائعِهِم في الأُصولِ لأَنَّها لا تَخْتَلَفُ. وتَقَدُّمُ شَرِيعَتِهِ فِيمَا عَسَاهُ يَقَعُ الاخْتِلَافُ فِيهِ مِنَ الفُروع [66] إِمَّا على سبيل التخصيص وإِمَّا على النَّسْخ، أَوْ لَا نَسْحَ ولا تَحْصِيص بلْ تَكُونُ شَرِيعَةُ النَّبِي الهلال في تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُولَئِكَ الأُمَمِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ أَنْبِتَاءُهُم، وفِي هَذَا الوَقْتِ بالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الأُمَّة الشَّرِيفَةِ، والأَحْكامُ تَخْتَلِفُ باخْتِلَافِ الأَشْخَاصِ والأَوْقَاتِ.
وقَدْ مَرَّ أَنَّهُم نَائِبُونَ عَنْهُ فَكُتُبُهُم ووَحْيُهُم كُتُب ووَحْي له الهلال، وإِنَّما يَفْتَرِق الحَالُ بَيْنَ مَا بَعْدَ وُجُودِهِ وبُلُوغِ الْأَرْبَعِينَ ومَا قَبْلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى المبْعُوثِ عَلَيْهِمْ وَتَأَهلِهِمْ لِسَماعِ كلامِهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَلَا إِلَيْهِمْ لَوْ تَأَهَلُوا قَبْلَ ذَلِكَ. وتَعْلِيقُ الأَحْكَامِ على الشُروطِ قَدْ تكونُ بِحَسَبِ المحَلِ القَائِل، وقد تكونُ بِحَسَبِ الفَاعِلِ المتَصَرِّفِ، فهُنَا التَّعليقُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ المُحَلِ القَابِلِ وهُوَ المبْعُوثُ إِلَيْهِمْ وَقُبُولِهِمْ سَمَاعَ الخِطَابِ
(1) سورة الزمر: 65.
(2) سورة الحاقة: 44.
(3) سورة الأنبياء: 29.
(4) التفسير الكبير، الرازي، 127/ 8 - 128.
181