الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٣والجَسَدِ الشَّرِيفِ الذِي يَخَاطِبُهُمْ بِلِسَانِهِ، وهَذَا كَمَا يُوَكَّلُ الأَبُ رَجُلًا في تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ إِذَا وَجَدَتْ كُفْوًا، فالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ وذَلِكَ الرَّجُلُ أَهْلَ لِلْوَكَالَةِ ووَكَالتُهُ ثَابِتَةٌ، وقَدْ يَحْصُلُ تَوَقُفُ التَّصَرُّفِ عَلَى وُجُودِ الكُفْءِ ولا يوجَدُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ وذَلِكَ لا يَقْدَحُ في صحة الوَكَالَةِ وأَهْلِيَّةِ الوَكِيلِ. وقَدْ حَضَرَهُ أَيْضًا الخَضِرُ وإِلْيَاسُ وبَقِيَا بَعْدَهُ وهُمَا يَعْمَلانِ بالقُرْآنِ والسُّنَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي نُبُوءَةِ
الخَضِرِ.
ومِمَّا يَدُلُّ على فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ نِدَاءُهُ عزَّ وعلا إِيَّاهُ بِالرَّسولِ وَالنَّبِيءِ، وَتَقْدِيمُ العَفْوِ عَلَى العِتَابِ فِي قَوْلِهِ عزَّ وعَلَا: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) (1) وغَيْرُ ذَلكَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ. قال ابن خطيب الأندلس: مَدَحَتْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ فَمَا عَسَى يُثْنِي عَلَى عُلْيَاكَ نَظْمُ مَدِيحِي فَإِذَا كِتَابُ اللهِ أَثْنَى مُفْصِحًا كَانَ الْقُصُورُ قُصَارَى كُلِّ فَصِيح (2) وثَبَتَ أنَّ الله جل وعلا كَلَّمَهُ الله كما كَلَّمَ مُوسَى وإِنَّما لُقِبَ مُوسَى كَلِيمًا، وَلَمْ يُلَقَّبْ هُوَ ا كَلِيمًا؛ لأَنَّ وَجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يُوجِبُها، قالَ العَضُدُ (3) والسَّعْدُ (): لا يَلْزَمُ فِي كُلِّ مَنْ قَامَ بِهِ الوَصْفُ أَنْ يُشْتَقَ مِنْهُ لَهُ اسْمٌ، فَلَا يَلْزَمُ تَسْمِيَةُ كُلّ ما يَسْتَقِرُّ فِيه الشَّيْءُ كالإِبْرِيقِ والخَابِيَةِ والبِيرِ والدَّارِ قارُورَةً، وَلَا يَجِبُ الاشْتِقاقُ إِلَّا حَيْثُ لَا تَمْيِيزَ إِلَّا بِهِ، ولا واجِبَ عَلَى اللهِ جَلَّ وعَلَا (5).
وقالت المعْتَزِلَةُ: لا فَضْلَ لِنَبِيءٍ علَى آخَرَ، ويَقُولُونَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ عزَّ وعَلَا: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) (1) أَنَّهُ تَفْضِيلُ العَطَاءِ، وتُرَدُّ عَلَيْهِمْ سَائِرُ الأَدِلَّةِ مِثْلَ مَا مَرَّ. وقَالَ قَوْمٌ: آدمُ أَفْضَلُ لِحَقِّ الأُبُوَّةِ، وتَوَقَّفَ بَعْضٌ فَقَالَ: الشكوتُ أَفْضَل (7). والجُمْهُورُ علَى أَنَّ الرُّسُلَ أَفْضَلُ مِنَ الأَنْبِقَاءِ، والرُّسُلُ بَعْضُ أَفْضَلُ [66] مِنْ بَعْضٍ؛ كَمَا قَالَ:
(1) سورة التوبة: 43.
(2) البيتان من الكامل للسان الدِّينِ بنِ الخطيب، ينظر: نفح الطيب، المقري 451/ 6. وينظر الإحاطة في أخبار غرناطة. (3) عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيج، عضد الدين عالم في أصول الفقه وأصول الدين والمعاني والبيان والنحو والفقه وعلم الكلام، ولد بإيج من نواحي شيراز، وتوفي مسجونا بقلعة دريميان سنة 756 هـ، من مؤلفاته: الرسالة العضدية في الوضع الفوائد الغياثية في المعاني والبيان. الدرر الكامنة، 110/ 3، المؤلفين، رضا كحالة، 76/ 2. ومعجم (4) مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، فقيه ونحوي وبياني، ولد بتفتازان ت: 791 هـ بسمرقند، من تصانيفه الكثيرة: شرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان، حاشية علي الكشاف للزمخشري في التفسير، التهذيب في المنطق. بغية الوعاة، 285/ 2، و معجم المؤلفين، 849/ 3. (5) ينظر: المواهب اللدنية، القَسْطَاني، 120/ 3. (6) سورة الإسراء: 55.
(7) ينظر: المواهب اللدنية، القَسْطلاني، 121/ 3.
182