الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٦الأَوْلِيَاءِ مِنَ المَلَائِكَةِ (1).
وقالت المعتزلة والفَلاسِفَة وبَعْضُ الأشعريَّة: الملائِكَةُ أَفْضَلُ، واختَارَهُ البَاقِلَّانِي وأَبُو عَبْدِ اللهِ الحليمي، وتَمَسَّكوا بِأَوْجُهِ (2).
الأَوَّلُ: إِنَّ المَلائِكَةَ أرواحٌ مُجرَّدَةٌ كَامِلَةٌ بالفِعْلِ مُبَرَّأَةٌ عَنْ مُبَادِي الشرورِ والآفاتِ كالشَّهْوَةِ والغَضَبِ، وعن ظُلُمَات الهيُولي والصُّورةِ، قَوِيَّةٌ عَلَى الأَفْعَال العَجِيبةِ عالمةٌ بالكَائِنِ مَاضِيهِ وآتِيهِ مِن غَيْرِ غَلَط (3). الجَوابُ: أَنَّها أَجْسَامٌ لَا تَعْلَم مِنَ الكَوائِنِ شَيْئًا إِلَّا ما عَلَّمهُم الله جل وعلا، وأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الهيولي والصُّورَةِ، وقُوَّتُها على الأَفْعَالِ العَجِيبةِ لَا كَسْبَ لَهُمْ فِيهَا، وأفعَالُهُم كَسْبٌ، واللهُ سُبحانَهُ بَرَّأَهُم لَا بِكَسْبِ منهُم، فَذَلِكَ كَخَلْقِ الجَبَلِ قَوِيًّا لَا يَعْصِي.
الثَّانِي: أَنَّ الأَنبِتَاءَ معَ كَوْنِهِم أَفْضَل البَشَرِ يَتَعَلَّمون ويَسْتَفِيدُونَ مِنْهُمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: عَلَمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (4) وَقَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الَامِينَ (13) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ
(194
الْمُنذِرِينَ (9)
مُبلّغونَ (6).
5
(5) ولا شَكٍّ أَنَّ المُعَلَّمَ أَفْضَلُ مِنَ المُتَعَلَّم. والجوَابُ: أَنَّ التَّعْلِيمَ مِنَ اللهِ والمَلَائِكَةُ
الثَّالِثُ: أَنَّهُ اطَّرَدَ في الكتابِ والسُّنَّة تَقْدِيمُ ذَكْرِهِمْ عَلَى ذِكْرِ الأَنْبِنَاءِ وَمَا ذَلِكَ إِلا لِتَقَدُّمِهِمْ فِي الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ. الجوابُ: أَنَّ ذَلِكَ لتَقَدُّمِهِمْ في الوُجودِ، أَوْ لِأَنَّ وُجُودَهُم حَفِيٌّ فَالْإِيمَانُ بِهِمْ أَقْوَى، وبالتَّقْدِيمِ أَوْلَى (7) ولاتِّصافِهِمْ بالطَّاعةِ وحْدَها فالتَّقدِيمُ لَهَا لَا لَهُمْ إِذْ تَصْدُرُ مِنْهُم عَلَى شبهِ الطَّبِيعَةِ. الرابع: قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلهِ وَلَا الْمَلَيْكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ (8) فإِنَّ أَهْلَ النِّسانِ يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلِيَّةَ المَلائِكَةِ مِنْ عِيسَى، إذ القِياسُ في
مثْلِهِ
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 129/ 3، وشعب الإيمان، البيهقي، 307/ 1.
(2) المواهب اللدنية، القسطلاني، 130/ 3.
(3) (م، س)، 130/ 3.
(4) سورة النجم: 5.
(5) سورة الشعراء: 193 - 194.
(6) المواهب اللدنية، القسطلاني، 130/ 3.
(7) (م، س)، 130/ 3.
(8) سورة النساء: 172.
185