الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩١الفَصْلُ الثَّاني: فِي الرِّسَالَةِ والنُّبُوَّةِ
تلك
المشهورُ أَنَّ النَّبيءَ عبارةٌ عن إِنْسَانٍ أُنزِلَ عَلَيْهِ شَرِيعَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، تَتَضَمَّنُ الشَّرِيعَةُ بَيَانَ كَيْفِيَّةِ تَعَبدِهِ للهِ تعالى، فإِنْ أُمِرَ بتَبْلِيغِها إلَى الغَيْرِ سُمِّيَ رَسُولًا، وهذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وكذلك قالَ فِي شَوَاهِدِ النُّبُوءَةِ " (1) (2).
11
وكَذَا فِي "الفُتُوحاتِ المكيَّة"، ولَفْظُهُ: النَّبِيءُ هوَ الذِي يَأْتِيهِ المَلَكُ بِالوَحْيِ مِنْ عِنْدِ اللهِ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ
الوَحْيُ شَرِيعَةً يَتَعَبَّدُ بهَا في نَفْسِهِ، فَإِنْ بُعِثَ بِهَا إِلَى غَيْرِهِ كَانَ [68] رسولًا (3). وفي شَرْحِ عَقَائِدِ العَضُدِ (4): النَّبِيءُ إِنْسَانٌ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى الْخَلْقِ لِتَبْلِيغ مَا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَالرَّسُولُ
قَدْ يُسْتَعْمَلُ مُرادِفًا لَهُ، وقَدْ يَخْتَصُّ بِمَنْ هُوَ صاحِبُ كِتابِ، فَيَكونُ أَخَصَّ مِنَ النَّبِي (5). وفي "أَنْوَارِ التَّنْزِيلِ": الرَّسُولُ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهَا، وَالنَّبِيءُ يَعُمُّهُ ومَنْ بَعَثَهُ لَتَقْرِيرِ شَرْعِ سَابِقٍ، كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ كَانُوا بَيْن مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِم السَّلامُ، وَلِذَلِكَ به ها و علَمَاءَ أُمَّتِهِ بِهِمْ، إِذْ قال: ((عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ) () () فَالنَّبِيءُ أَعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ، ويَدُلُّ لَهُ أَنَّهُ الله سُئِلَ عن الأَنْبِنَاءِ فَقَالَ: ((مِئَةُ أَلْفِ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، قِيلَ: كَمِ الرُّسُلُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمَّا غَفِيرًا)) (7) (8). فَهَذَا نَصَّ في أنَّ النَّبِيءَ أَعَمُّ، إِذْ جَعَلَ الرُّسُلَ بَعْضًا مِن الأَنْبِنَاءِ، وَجَعَلَهُ أَقَلّ.
وقيل: الرَّسُولُ مَنْ جَمَعَ إلى المعْجِزة كتابًا مُنزَّلًا عَلَيْهِ، والنَّبِيءُ غَيْرُ الرَّسُولِ، مَنْ لا كِتَابَ لَهُ. وقِيلَ الرَّسُولُ مَنْ يَأْتِيهِ المَلَكُ بِالوَحْيِ، والنَّبِيءُ يُقالُ لَهُ ولِمَنْ يَأْتِيهِ فِي النَّوم (9) أو توجَدُ لَهُ كِتَابَةٌ. وفي "العُروة الوثقى (10): كُلُّ مَن كانَ تَصَرُّفُهُ في ظَوَاهِرِ الخَلْقِ وبواطِنِ المُؤمِنِينَ مُؤَيَّدًا مِنْ عِندِ الله مُستَغْنِيًا بنفسه في التَّلْقِي مِنْ رَبِّهِ عن بَشَرٍ مِثلِهِ فَهُوَ نبيء، فالنَّبِيءُ سُلطان في الظَّاهِرِ وَلِيٌّ في الباطنِ مُسْتَغْنٍ في إرْشَادِ الخَلْقِ عن بَشَرٍ مِثْلِهِ، فإذا اجْتَمَعتِ السَّلطَنَةُ والوَلايةُ فِي شَخْصٍ واحدٍ انتَشَرَ
(1) شواهد النبوة: فارسي، لـ: نور الدين: عبد الرحمن بن أحمد الجامي ت: 898 هـ، وترجمه: محمود بن عثمان ت: 938 هـ. كشف الظنون، حاجي خليفة، 1066/ 2. (2) تاريخ الخميس، الديار بكري، 7/ 1.
(3) الفتوحات المكية، ابن عربي، 356/ 2.
(4) شرح عقائد العضُدِ: جلال الدين الدواني ت: 928 هـ، والمتن المشروح لعضد الدين الإيجي، ت: 756 هـ. (5) تاريخ الخميس، الديار بكري، 7/ 1.
(6) الدرر المنتثرة، السيوطي، ص 148. وقال حديث لا أصل له.
(7) صحيح ابن حبان (361). (8) أنوار التنزيل، البيضاوي، 75/ 4.
(9) أنوار التنزيل، البيضاوي، 75/ 4.
(10) العروة الوُثْقَى للسمناني الحلبي أبو القاسم علي بن محمد بن أحمد الحنفي، ت: 499 هـ. كشف الظنون، حاجي خليفة، 1133/ 2.
190