الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٦إِنَّهُ أُنْزِلَ عليْهِ المَعْنَى وَعَبَّرَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
واللُّغَاتُ التِي نَزَل بهَا كَلَامُ اللهِ: العَرَبِيَّة والعِبْرانِيَّة والسُّرْيانِيَّة، القرآن بالعربيَّة، والتَّوراة بالعبرانية، والزبور والإنجيل بالسُّرْيانِيَّة (1).
وفي "صحيح البخاري" في قِصَّة ورقة بن نوفل أَنَّه تَنَصَّر فِي الجَاهِلِيَّة وكانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِي، يَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بالعَرَبِيَّة، فيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الإِنجِيلَ كانَ بالعِبْرَانِيَّة (2). وفي رواية: الزَّبُور باللُّغةِ العَبْرَانِيَّة وهُو مِئةٌ وخَمْسُون سورَةً، فإذَا عُبّر عنْ كلامِ اللهِ بالعَرَبِيَّة يُسمَّى قُرْآنًا، وإِنْ عُبّرَ بالعِبْرَانِيَّة يُسَمَّى تَوْرَاةً، وإِذَا عُبِّر بالسُّريانِيَّة يُسَمَّى زبورًا وإِنْجِيلًا (3).
ثُمَّ إِنَّهُ لا يَبْلُغُ أَحَدٌ مِنَ الأولياءِ بوَلَايَتِهِ، ولا أَحَدٌ مِن الصِّدِّيقِينَ بصَدَاقَتِهِ دَرَجَة نَبِيءٍ وإِنْ كَانُوا فِي أعالي مراتبهم، قال أبُو يَزِيدَ البَسْطَامِي (4): آخِرُ نِهَايَةِ الصِّدِّيقِينَ أَوَّلُ أَحْوَالِ الأَنْبِنَاءِ (5). وقَالَ ابنُ عَطَاءِ الله (6): أَدْنَى مَراتِبِ المرسَلِينَ أَعْلَى مَراتِبِ الأَنْبِنَاءِ، وأَدْنَى مَرَاتِبِ الأَنْبِنَاءِ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدِّيقِينَ، وأَدْنَى مَرَاتِبِ الصِّدِّيقينَ أعْلَى مَرَاتِبِ الشُّهَداءِ، وأَدْنَى مَرَاتِبِ الشُّهداء أعْلَى مَرَاتِبِ الصَّالِحِينَ، وَأَدْنَى مَرَاتِبِ الصَّالحينَ أَعْلَى مَرَاتِبِ المُؤْمِنِينَ (7).
فمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ أنَّ الوَلايةَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوءَةِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلنَّبِيءٍ جِهَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا جِهَةُ الوَلَايَةِ التِي هِيَ باطِنُ النُّبوَّةِ، ثانِيَتُهُما جِهَةُ النُّبُوءَة التِي هِيَ ظَاهِرُ الوَلايَةِ، فالنَّبِيءُ بِجِهَةِ الوَلَايةِ يَأْخُذُ الفَيْضَ والعُلَا مِن اللهِ
تعَالَى، وبجهة النُّبُوءَةِ تَبليغهُ لِلْخَلْقِ، ولا شَكٌّ أَنَّ الوَجْهَ الَّذِي إلى الحَقِّ أَشْرَفُ وأَفْضَلُ مِنَ الوَجِهِ الذِي إلى الخَلْقِ، فالمَرَادُ أَنَّ جِهَةَ وَلايَةِ نَبِيءٍ أَفْضَلُ مِن جِهَةِ نَبُوءَتِهِ، وإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَبِيءٌ ولَيْسَ المرادُ أَنَّ وَلايَةَ غَيْرِ نَبِيءٍ أَفضَلُ مِنْ نُبُوءَةِ نَبِيءٍ، فلا يَلْزَمُ أَنَّ الوَلِيَّ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيءِ كما يَتَوَهَّمُهُ القَاصِرون، فإِنَّ مَرْتَبَةَ الوَلَايَةِ قَدْ حَصَلَتْ لِلنَّبِيءٍ على وَجْهِ أَكْمَلَ مِن وَلاية الوَلِيِّ معَ أَمْرٍ زائدٍ وهُو مَرْتَبَةِ النُّبُوءَةِ، فَكُلُّ نَبِيءٍ وَلِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وما
(1) تاريخ الخميس، الديار بكري، 9/ 1.
(2) صحيح البخاري، حديث (3). (3) تاري تاريخ الخميس، الديار بكري، 15/ 1.
(4) أبو يزيد البسطامي طيفور بن عيسى سلطان العارفين. ت: 261 هـ. سير أعلام النبلاء، 86/ 13.
(5) تاريخ الخميس، الديار بكري، 15/ 1.
(6) ربّما هو السكندري، صاحب الحكم العطائيَّة. النّصُّ لم أقف عليه في غير تاريخ الخميس.
(7) تاريخ الخميس، الديار بكري، 16/ 1.
195