الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٧وَقَعَ فِي كَلَامِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيّ الحَكِيمِ التِّرْمِذِي (1) والحَمَوِي (2) مِنْ أَنَّ نِهايةَ الأَوْلِيَاءِ (3) بَدَاءَةُ الأَوْلِيَاءِ معْنَاهُ أَنَّ نِهَايَةَ الأَنْبِنَاءِ فِي الشَّرائع بدَاءَةُ الأَوْلِياءِ فِيهَا، ولَمَّا كانَتْ شَرَائِعُ الْأَنْبِنَاءِ تَكْمُلُ وتَتِمُ فِي أَوَاخِرِ أَحْوَالِهِم قِيلَ لَهُ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (4) والوَلِيُّ ما لم يَأْخُذ الشَّرِيعَةَ بِكَمَالِها، أعْنِي: يَتَسَيَّرُ بِهَا، لم يَكُنْ لَهُ الشُّرُوعُ فِي الوَلايَةِ (5). فمَنْ ماتَ قَبْلَ تمام نزولِ القُرآنِ لم تَكُنْ لَهُ تِلْكَ المَرْتَبَةُ، وَلَوْ كانَ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا الأَبَدِيَّة العامَّةِ لِكُلِّ خَيْرٍ. والنَّبِيءُ يتَحَدَّى الخلْقَ بالمعجزة ويسْتَعْجِرُهُم عن الإِثْيَانِ بِمِثْلِهَا [70] ويُخْبِرُهُمْ عَنِ اللهِ تَعَالَى بِخَرْقِ العَادَةِ بهَا لِتَصْدِيقِهِ وَلَوْ كانَ كَاذِبًا، لم تَنْخَرِق العادَةُ على يَدَيْهِ، ولَوْ خَرَقَهُ اللهُ عَلَى يَدِ كَاذِبِ لخَرَقَها عَلَى أَيْدِي المعارِضِينَ لِلْأَنْبِنَاءِ، وأَمَّا الوَلِيُّ والسَّاحِرُ فلا يَتَحَدَّيَانَ الخَلْقَ وَلَا يَسْتَدِلَّانِ عَلَى نبُوءَةٍ ولَو ادَّعَيَا شَيْئًا لم تَنْخَرِقْ العَادَةُ لَهُمَا (6).
وأمَّا الفَرْقُ بَيْنَ الوَلِيِّ والسَّاحِرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهما، وهُوَ المشهُورُ، إِجْمَاعُ المُسلِمينَ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لا يَظْهَرُ إِلَّا عَلَى يَدِ فاسِقٍ، والكَرامَةُ لا تظْهَرُ إِلَّا عَلَى يَدِ وَليّ، وبِهَذا جَزَمَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، وأبو سَعِيدٍ المتَولّي (7) وغَيْرُهُما. والثَّاني: أَنَّ السّحْرَ يكونُ نَاشِئًا بِفِعْلٍ ومَنْج ومعَانَاةٍ وعلاج، والكرامة لا تَفْتَقِرُ إلى ذَلِكَ، وفِي كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ تَفَعُ اِتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ أَن يَشْعُرَ بها أَوْ يَسْتَدْعِيهَا (8). والفِعْلُ الخَارِقُ لِلْعادَةِ إِذَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ إِنْسَانٍ مقرون بالدَّعْوَى أَوْ لَا. والأَوَّلُ الدَّعوَى فِيهِ دَعْوَى الإِلَهِيَّةِ أَوْ النُّبُوءَةِ أو الوَلَايَةِ أوِ السّحرِ وطَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَأَمَّا دَعْوَى الإِلَهِيَّة فَقَدْ ظَهَرَتْ لَهَا خَوارِقُ معَ الاسْتِدْلالِ بهَا عَلَيْهَا، كما نُقِلَ عن فرعون دعْوَى الإِلَهِيَّة والاسْتِدْلال عليها بالمجيء بالمطَرِ، كانَ يعْرِفُ اسْمَ اللهِ الأَعْظَم فيدْعُو بِهِ، وكَمَا أَنَّ الدِّجَال يَدَّعِيهَا فَيَأْمُرُ الجَبَلَيْن
(1) محمد بن علي بن الحسن بن بشير الحكيم الترمذي محدث، حافظ، سمع الكثير بخراسان والعراق، وقدم نيسابور وحدث بها، ت: 318 هـ. تصانيفه: الأكياس والمغترين رياضة النفس الكسب وكلها في التصوف، نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وعلل العبودية. طبقات الشافعية، السبكي 245/ 2، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 502/ 3.
من
6
(2) محمد بن المؤيد بن محمد بن حمويه الحموي الجويتي، سبق تعريفه.
(3) خطأ صوابه: الأنبياء كما في تاريخ الخميس.
(4) سورة المائدة: 3.
(5) تاريخ الخميس، الديار بكري، 16/ 1، وعبارة " أعني يتسير بها" من كلام المؤلّف.
(6) تاريخ الخميس، الديار بكري، 16/ 1.
(7) عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم النيسابوري أبو سعيد المتولي (ت: 478، تفقه بمرو على الفوراني، له كتاب التتمة، ينظر: طبقات
الشافعية، السبكي، 5/ 106. (8) تاريخ الخميس، الديار بكري، 16/ 1.
196