الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٨ينْتَطِحَانِ ويَحْرُثُ ويُنْبِتُ ويُدْرك وَيخْبرُ في ساعَةٍ، وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَر)) (1) وَ إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ جِسْمًا ولَا عَرَضًا أَيْ: وَلَا جَوْهَرا.
وقِيلَ فِي فَرْعَوْنَ إِنَّهُ لا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهَا، وإِنَّما وَقعَ ذلكَ؛ لِأَنَّ شكل المخْلُوقِ ولَا سِيَّمَا فِرْعَوْنَ فِي
عَرَجِهِ وقِصَره، والدَّجَّال في عَوَرِهِ يَدُلُّ على الكَذِبِ لِحُدوثِهِ وعَجْزِهِ، فَلَا يُفْضِي إِلَى التَّلْبِيسِ. وأَمَّا ادّعاءُ النُّبُوءَةِ فَمَعَ الكَذِبِ لا تَظْهَرُ الحَوَارِقُ، ومَعَ الصَّدقِ تظْهَرُ، وبِتَقْدِيرِ ظُهورِها عَلَى يَدِ كاذِبِ حَصَلَت المعَارَضَةُ، ولا بُدَّ.
وأَمَّا كَرَامَةُ الأَوْلِيَاءِ فَالْحَقُ وقُوعُهَا، واخْتَلَفُوا هلْ تَجُوزُ دعْوَاها فتَظْهَرُ أَمْ لَا تَجُوزُ دَعْوَاهَا وَالنَّصْبُ لِظُهورِهَا. وأَمَّا خَوَارِقُ السِّحْرِ والشَّيْطانِ فالصَّحيحُ وقوعُهَا ومَنَعَتْهُ المُعْتَزِلَةُ. وأَمَّا الظُّهورُ بلَا قَرْنِ بالدَّعْوَى فمِنَ الوَلِيّ كرَامَةٌ، وأَنْكَرَتْها المعْتَزِلَة إِلَّا أَبَا الحُسين البصري (2)
وصاحِبَه محمود الخوارزمي (3) (4)، ومِنَ الخَبِيث المذنب فاسْتِدْرَاج. واللهُ أَعْلَمُ، وهُوَ الوَلِيُّ. وذكر ابن عادل (5) في "تفسيره (6) أنَّ جِبْرِيلَ ال نَزَلَ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَربَعَةً وعِشْرِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ، ونَزَلَ على آدَمَ اثْنَتَيْ عشْرَةَ مَرَّةً، وعلَى إدريس أرْبَعَ مرَّاتٍ، وعلى نوح خمْسِينَ مَرَّةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ اثْنَتَيْنِ وأرْبَعينَ مَرَّةً، وعلى مُوسَى أَرْبَعَ مِئَةٍ مَرَّةٍ، وعلى عيسى عَشْرَ مَرَّاتٍ (7).
وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، وإِنَّمَا يُثْبُتُ ذلكَ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ ولَمْ نَرَهُ، وصَاحِبُ "المَوَاهِبِ" لمّا ذَكَرَهُ قالَ: گذا (8). قالَهُ إِشَارَةً إِلَى ضُعْفِ [71] ذلِكَ واللهُ أَعْلَمُ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: [أَوَّلُ الخَلْقِ خَلْقًا]
جاءَ الخَبَرُ أَنَّ أَوَّلَ المخلوقاتِ نورُ سَيّدِنَا مُحَمَّد. وفي "الأُنْسِ الجَلِيل" (9): إِنَّ اللهَ خَلَقَ أَوَّلا نور رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ العَرْشِ والكُرْسِيّ واللُّوحِ والقلم والماء والسَّماءِ والأرضِ والجنَّةِ والنَّارِ بأَلْفِ
(1) صحيح البخاري، حديث (4402).
(2) أبو الحسين البصري: مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الطَّيِّبِ، معتزلي كان فصيحا بليغا عذب العبارة يتوقد ذكاءً، صاحب تصانيف منها: المعتمد في أصول وصلح الأدلة، ت:436 هـ. الوافي، الصفدي، 92/ 4، أعلام النبلاء، دء، الذهبي، 587/ 17.
الفقه،
وسير
(3) محمود بن محمد الخوارزمي: ابن الملاحمي ت: 536 هـ، له كتاب: المعتمد في أصول الدين. (4) تاريخ الخميس، الديار بكري، 17/ 1.
(5)
عمر بن
عادل: الدمشقي الحنبلي من تصانيفه اللباب في علوم الكتاب ت: 880 هـ. معجم المؤلفين، رضا كحالة، 568/ 2.
(6) اللباب في علوم الكتاب.
(7) تفسير اللباب، ابن عادل، 3/ 12. (8) المواهب اللدنية، القَسْطَلَّاني، 210/ 1.
(9) الأنس الجليل، بتاريخ القدس والخليل، للقاضي عبد الرحمن بن محمد العليمي الحنبلي، ت: 928 هـ. كشف الظنون، حاجي خليفة، 177/ 1،
ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 112/ 2.
197