الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٢الباطِنِ، فإِنَّ اخْتِلافَ الأُمَمِ فِي الاسْتِعْدادَاتِ والقَابِلِيَّاتِ مُقْتَضِ لاِخْتِلافِ الشَّرائِعِ (1). وقِيلَ: أَوَّلُ ما
خُلِقَ مِنَ الْأَجْسَامِ طِينَتُهُ.
11
"
وفي فُصُوصِ الحِكَم (2) وَ شَرْحِهِ (3): ما كَانَ مِنْ نَبِيءٍ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنَ الكَمَالاتِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةٍ حَاتِم النَّبِيئِينَ، وإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُم وجُودُ طِيئَتِهِ إِذْ لَا تَعَلَّقَ لمشْكَاتِهِ بِوُجُودِهِ الطَّيِّنِي فَإِنَّهُ بِحَقِيقَتِهِ موْجُودٌ (4) قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّه أَبُو الأَرْوَاحِ كَمَا أَنَّ آدَمَ أَبُو الأَشْبَاحِ (5).
فهَذَا ظاهِرٌ في تَأَخُرِ طِينَتِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِتأَخُرِ طِينَتِهِ تأخرها بالوُجودِ الصُّورِي لَه ونُورُهُ قبل كُل مخلوق.
شَيْءٍ
وحين
وكانَ فِي فَضَاءِ عَالم القُدْسِ فَتَارَةٌ يأْمُرُهُ بالسُّجودِ وتَارَةً يَأْمُرُه بالتسبيح والتَّقْدِيسِ وخَلَقَ لهُ حُجُبًا وأَقَامَهُ في كُلِ حِجَابٍ مُدَّةً مَدِيدَةً يُسبِّحُ الله تعَالَى فِيهَا بتَسْبِيحِ خَاصِ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الحُجُبَ كَنَايَةُ عَدَمِ وجُودِ سِوَاهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لأَنَّ الفَرْضَ أَنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ كُلِّ خَلْقٍ، وبعْدَ مَا خَرَجَ مِنَ الحُجُبِ تَنَفَّسَ بأَنْفَاسٍ فَخُلِقَ مِنْ أَنْفَاسِهِ أَرْوَاحُ الأَنْبِنَاءِ والأَوْلِيَاءِ والصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وسائر المؤْمِنِين والملائِكَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ جابر بنِ عبدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَوَّلِ خَلَقَهُ اللهُ قالَ: هُوَ نُورُ نَبِيئِكَ يا جَابِرٍ خَلَقَهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ، وَخَلَقَ بَعْدَهُ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أَقَامَهُ قُدَّامَهُ فِي مَقَامِ القُرْبِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، خَلَقَ الْعَرْشَ مِنْ قِسْمِ والكُرْسِيَّ مِنْ قِسْمِ وحَمَلَةَ العَرْشِ وخَزَنَةَ الكُرْسِيّ مِنْ قِسْمٍ، وَأَقَامَ القِسْمَ الرَّابِعَ فِي مَقامِ الحُبِّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامِ فَخَلَقَ الخَلْقَ مِنْ قِسْمِ واللَّوْحَ مِنْ قِسْمِ والجَنَّةِ مِنْ قِسْم، وأقَامَ القِسْمَ الرَّابِعَ فِي مُقَامِ الخَوْفِ اثْنَتَيْ عشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ فَخَلَقَ الملائكَةَ مِنْ جُزْءِ والشَّمسَ مِنْ جُزْءٍ والقَمَرَ والكَوَاكِبَ مِنْ جُزْءٍ وأَقَامَ الجُزْء الرَّابِعَ في مَقَامِ الرَّجاءِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ فَخَلَقَ العَقْلَ مِنْ جُزْء والحِلْمَ والعِلْمَ [72] مِنْ جُزْءِ والعِصْمَةَ والتَّوفِيقَ مِنْ جُزْء، وأَقامَ الجُزْء الرَّابِعَ مَقَامَ الحَيَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ نَظَرَ الله سبحَانَه وتَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الخَلْقِ، أَيْ: أَظْهَرَ لَهُ ما شَاءَ فَتَرَشَّحَ عَرَقًا، فَقَطَرَتْ مِنْهُ مِنْةُ أَلْفِ وعشرُونَ أَلْفَا وَأَرْبَعَةُ آلَافِ قَطْرَة مِنْ نورٍ فَخَلَقَ اللهُ سبحَانَهُ وتَعَالَى مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ رُوحَ نَبِيءٍ أَوْ رَسُولٍ ثُمَّ تَنَفَّسَتْ أَرْواحُ الأَنْبِنَاءِ فَخَلَقَ اللهُ مِنْ أَنْفَاسِهِم أَنْوَارَ الْأَوْلِيَاءِ وَالسُّعَدَاءِ وَالشُّهَدَاءِ
(1) تاريخ الخميس، الديار بكري، 19/ 1.
(2) فصوص الحكم: لـ: محيي الدين أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بابن عربي الطَّائِي، ت: 638 هـ. كشف الظنون، حاجي خليفة، 1261/ 2. (3) من شروح فصوص الحِكَمِ شرح الجامِي الملا عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الملقب بنور الدين، ت: 898 هـ، ينظر ص 103 منه.
(4) فصوص الحكم، ابن عربي، ص 63. (5) تاريخ الخميس، الديار بكري، 19/ 1.
201