الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٦وما تَقَدَّمَ عن الغزالي آنفًا مخالِفٌ لما مَرَّ مِنْ أنَّ أوَّلَ الخَلْقِ على الإطلاق نوره.
قال السُّبْكِي: قد جاءَ أَنَّ الله خلق الأرواحَ قبل الأجسادِ، فقد تكون الإشارةُ بِقَوْلِهِ: ((كُنْتُ نَبِينًا)) إلى رُوحِهِ المشَرَّفَةِ أَوْ إِلَى حَقِيقَةٍ مِن الحقائقِ، والحقائقُ تَقْصُرُ عقولنا عن مَعْرِفَتِها، وإِنَّما يعْلَمُها خالقُهَا ومَنْ أَمَدَّه اللهُ بِنُورِ إلاهي في الفَضْل والإجلالِ والتَّكريم وغيْرِ ذلِكَ، ثُمَّ إِنَّ تلك الحقائق يُؤْتِي الله كل حقيقةٍ منْهَا ما يشاءُ في الوَقْتِ الذي يشَاءُ، فحقيقةُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَدْ تَكونُ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ أَتَاهَا اللهُ ذلكَ الوَصْفَ بأن يكونَ خلَقهَا مَتَهَيّأَةً لذلكَ وأفاضَهُ عليْهَا مِنْ ذلكَ الوَقْتِ فَصَارَ نَبِيئًا،
وكَتَبَ اسمَهُ على العَرْشِ وغَيْره، وأَخْبَرَ عنهُ بالرِّسالَةِ لِيَعْلَمَ مَلائِكَتُهُ وغَيْرُهُم كَرَامَتَه عِنْدَهُ (1). فكُلُّ ما أَظْهَرَ مِن شَأْنِهِ مِمَّا ذُكِرَ وَنَحوه اتصافهُ بهِ هُو كونه نَبِيئًا قَبْلَ كَذَا، ولَيْسَ المَرَادُ بِكَوْنِهِ
نَبِينًا قبل كذا علم الله بأَنَّه سَيَكُونُ نَبِيئًا لِأَنَّهُ لَا حُصُوصِيَّة لهُ بهَذَا، فَإِنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ كَذَلِكَ. وعن الشعبي: قال رَجُلٌ: يا رسُولَ اللهِ مَتَى اسْتُنْبِقْتَ؟ قال: ((وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ حِينَ أُخِذَ مِنِّي (الميثاق)) رواه ابنُ سعد (2). فهذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ مِنْ حِينٍ صُوَرَ آدمُ طِينا استُخْرج منه مُحَمَّدٌ ونُتِى وأُخِذَ مِنْهُ المِيثَاقُ، ثم أُعِيدَ إِلى ظَهْرِ آدمَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتَ حُروجِهِ (3). وهذا يدلُّ على أنَّهُ [74] اسْتُخْرِجَ ونُتِي قبل نفخ الرُّوحِ في آدَمَ. وأَكْثَرُ الأَحَادِيثِ دَلَّتْ على أنَّ استِحْراجَ الذُرِّيَّةِ بَعْدَ نَفْحَ الرُّوح فِيهِ، أَجَابَ بَعضٍ بِأَنَّهُ حُصَّ
باستخراجِهِ مِنْ ظَهْرِ آدم قبل نفْحِ الرُّوحِ؛ لأنَّه الله هو المقصُودُ مِنَ النَّوعِ الإِنْسَانِي (4). وهُو فِي النَّوعِ كالدُّرَّة اليَتِيمةِ في وَسَطِ العِقْدِ، ثُمَّ إِنَّ كونَهُ نَبِيئًا وَقتَ كذا لا يُنافِي كَوْنَهُ نَبِينًا قَبْلَهُ، إِذْ لَا حَصْرَ وَلَوْ وَقَعَ جَوابَ سُؤَالٍ.
وأيْضًا لَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ بما يَسْهُلُ فهُمُهُ، ولَمَّا خاطَبَ اللهُ جَلَّ وعلا السَّماءَ والأَرْضَ بِقَوْلِهِ: إيتيا
ص
طَوْعًا أَوْكَرْهَا (5) كانَ أَوّل ما أَجَابَ بالطَّوْعِ مَوْضِعُ الكَعْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا يُحادِيها مِنَ السَّمَاءِ. وقد قال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْلُ طِينةِ رسولِ اللهِ مِنْ سُرَّة الأَرْضِ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: هذا يُشْعِرُ بأَنَّ ما أَجابَ مِنَ الْأَرْضِ طِينةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ مَوْضِعِ الكَعْبَةِ ومِنْ مَوْضِعِهَا دُحِيَت الأَرْضُ، فَرسُولُ اللهِ.
(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، 63/ 1.
(2) الطبقات الكبرى، ابن سعد، 123/ 1. (3) المواهب اللدنية، القَسْطَلَّاني، 65/ 1.
(4) (م، س)، 66/ 1.
(5) سورة فصلت: 11.
205