الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢١٣وأجابَ الباقلاني بالفَرقِ بالتَّحدّي، واعْتُرِضَ بأَنَّه لا دَلِيلَ عَلَى شَرْطِ التَّحَدِي مِنْ كِتَابِ وَلَا سُنَّةٍ، ولا صَحَابِيّ ولا إجماع، وبأَنَّ أَكْثَرَ آيَاتِهِ و بلا تَحَدٍ، كنُطْقِ الحَصَى ونَبْعِ الماء ونُطْقِ الجِذْعِ، وإطعَامِ الكَثِيرِ بقليل حتى يشبعُوا، ويَبْقَى كما هُوَ أَو أَكْثَر، وتَفْلِهِ فِي الْعَيْنِ، وتَكَلُّمِ الدّراعِ، وشَكُوى البَعِيرِ، وسائر معجزاته العِظام (1).
لَعَلَّهُ
وإن قيل: لم يَتَحَدَّ بِغَيْرِ القرآن، وتَمَنِّي المؤتِ، فَلَا يُسَمَّى غَيْرُهُمَا مُعْجِزَةً. قُلْتُ: هَذَا ضَعِيفٌ باطِلٌ، كَيْفَ يُجْنَحُ إِلى تَرْكِ معْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، ويُقْتَصَر عَلَيْهِمَا، وَمَنْ قَالَ لَيْسَتْ معْجِزاتٍ فَهُوَ قَيْدٌ أقْرَبُ إلى الشِرْكِ مِنْه إلى البِدْعَةِ. قالُوا: وَقَدْ كانَ صلى الله عليه وسلم يقولُ عَقِبَ الآيةِ لَكِنْ هَؤُلاء الآيات: ((أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ)) (2) كما قالَ
عندَ قَتْلِ الرَّجُلِ الذِي أَبْلَى جهادًا ((إِنَّهُ) فِي النَّارِ)) (3) وقَدْ
قالَ قَبْلَ ذلِكَ إِنَّهُ فِيهَا (4). واعْتُرِضَ أيضًا بقوله تعالى: {وَأَقَسَمُوا بِاللَّهِ إلى قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يومنون (5) وقوله: وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِالَايَتِ) الآية، إِذْ لم يَشْتَرِطُ تَحَدِّيَّا، وأُجِيبَ بأَنَّه يكْفِي فِي التَّحَدِي دَعْوَى الرِّسالَةِ، وَإِلَّا كَفَى تَحَدٍ وَاحِدٌ عندَ دَعْوَاهَا، فَكُلُّ ما بَعْدُ فَهُوَ مَعجِزَاتٌ، ولَوْ لم يُعَدْ ذِكْرُ التَّحَدِي.
(109)
الرَّابِعُ: أن يَقَعَ على وَفْقِ دَعْوَى المُتَحَدِّي بها، فَلَوْ قَالَ مُدَّعِي الرِّسالَةِ: آيَةُ نُبُوءَتِي أَنْ تَنْطِق يَدِي، أو هذِهِ الدَّابَّة فَنَطَقَتْ يدُهُ أو الدَّابَّةُ بتَكْذِيبه لم تَكُنْ مَعْجِزَةً، ومِنْ ذلكَ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابَ تَفَلَ فِي بِثْرٍ لَيَكْثُرَ ماءُهَا، فَغَارَتْ (7)، ومسَحَ عَلَى صَبِيَّ تَبَرُّعًا لَهُ فَأَقْرَعَ. واعْلَمْ أَنَّهُ تَظْهرُ عَلَى أَيْدِي الدَّجَّالِ لَعَنَهُ اللهُ أَمُورٌ خوَارِقُ، لكنَّه يَدَّعِي بِهَا الرُّبُوبِيَّةَ، وَقَدْ بِانَ مِنْهُ
أنَّه مَخْلُوقُ حَادِثُ عَاجِز.
بل
وكبَائِرُ الأَئِمَّةِ يَسَمُّونَ معْجِزَاتِ الأَنْبِنَاءِ دلائل النُّبُوءَةِ، ولَمْ يَرِدْ في القرآنِ والسُّنَّةِ لَفْظُ المعْجِزَةِ،
لَفْظُ الآيَة والبَيِّنَة والبُرْهَان (8).
(1) المواهب اللدنيَّة القَسْطَلاني، 497/ 2 - 498، بتصرف.
(2) صحيح البخاري، حديث (5443).
(3) (م، س)، حديث (2898).
(4) المواهب اللدنية، القَسْطلاني، 498/ 2، بتصرف.
(5) سورة الأنعام: 109.
(6) سورة الإسراء: 59.
(7) المواهب اللدنيَّة، القَسْطَلاني، 499/ 2، بتصرف.
(8) (م، س)، 500/ 2.
212