إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٤

وقال الشنواني (1): المعْجِرَةُ أَمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ يُصَدِّقُ اللهُ بهِ أَنْبِنَاءَهُ حِينٍ إِيْتَائِهِم النُّبُوءَةَ، فَخَرَجَ السحْرُ وما ظَهَرَ على يَدِ كَاذِبٍ.

ولا يَلْزَمُ دَوْرٌ مِنْ أَخْذِ النَّبِيءٍ فِي تَعْرِيفِ ما تَثْبُتُ [76 ظ] بِهِ النُّبُوءَة؛ لأَنَّ النُّبُوءَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ بَتَحَقُّقِ ذاتِ المُعْجِزَةِ، وأَيْضًا المعْجِزَةُ خارِجَةٌ عن ذَاتِ النُّبوءَةِ. وسَمَّى الأَبُوصِيرِي (2) في الهَمْزِيَّةِ ما جَرَى لَهُ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مُعْجِزَةً، إِذْ قَالَ: وبَدَا فِي رَضَاعِهِ مُعْجِزَاتٌ، جَرْيًا علَى طَرِيقِ الأَوائِلِ كَأَحْمد بنِ حَنْبَل، فإِنَّهُمْ يُطْلِقُون المعْجِزَةَ عَلَى كُلِّ خَارِقٍ لَيْسَ بسحْرٍ، والأَكْثَرُ علَى أَنَّ المَعْجِزَةَ لا تُطْلَقُ حَقِيقَةً إِلَّا عَلَى الأَمْرِ الخَارِقِ للْعادَةِ، المقْرُونِ بالتَّحَدِّي، الدَّالِ علَى صِدْقِ الأَنْبِنَاءِ، عليْهِم الصَّلاةُ والسَّلامُ، والله أعْلَمُ

ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ. وَلَكِنْ سَنَأْتِي مِنْ بَدَائِع حُسْنِها بِنَزْرٍ بَهِي مُزْهِرٍ فَوْقَ أَغْصَانِ وَلَا تَتَوَهَّمْ مِنْ قَوْلِي إِنَّ لِرَسُولِ اللهِ الله المُعْجِزَاتِ الغُرَّ، والآياتِ البَاهِرَةَ أَنِّي آتي بهَا كُلِّهَا، بَلْ آتي بِقَلِيلٍ بَهِي جَمِيلٍ حَسَنٍ، شبيهِ بِنُوَّارٍ (3) الشَّجَرِ فَوْقَ أَغْصَانِهَا.

43

11

مِنْ بَدَائِعِ حُسْنِهَا: أَعْنِي المُعْجِزَاتِ، فَالاستِدْرَاكُ بِالكِنْ عَائِدٌ إِلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِن اسْتِحْضَارِها كُلِّهَا. وفيه أنَّهُ قَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ المُعْجِزَاتِ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهَا تَفْصِيلًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّ لَهُ مُعْجِزَاتٍ وَلَا يُفصِلُهَا، والأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَإِنِّي سَآتِي أَوْ وَإِنَّا سَنَأْتِي.

وَيُجَابُ بِأَنَّهُ رُبَّمَا تَبَادَرَ لِمَنْ رَأَى قَوْلَهُ: "لَكَ المُعْجِزَاتُ أَوْ سَمِعَهُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا، وَإِلَّا فَقَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ رَأَى جِرْمَ أَوْرَاقِ القَصِيدَةِ مَكْتُوبَةً قَبْلَ تَصَفُحِهَا بَيْتًا بَيْتًا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي المُعْجِزَاتِ، أَوْ سَمِعَ أَنَّهَا فِي المُعْجِزَاتِ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا.

والنُّونُ فِي "نَأْتِي" لِلنَّاظِمِ: تَعْظِيمًا لِلمُعْجِزَاتِ، كأَنَّ القَلِيلَ مِنْهُنَّ أمرٌ ثَقِيلَ لَا يَسْتَقِلُ بِهِ وَاحِدٌ، لَا تَعْظِيمًا لَنَفْسِهِ إِذْ هُوَ هَاضِمٌ لَهَا. أَوْ

للنَّاظِمِ وَعُلَمَاءِ السِّيَرِ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ، أَوْ مِنْ عُمُومِ المَجَازِ، وذلكَ أَنَّهُ آتٍ فِي هَذِهِ القَصِيدَةِ بِذَلِكَ النَّارِ حَقِيقَةٌ، وَغَيْرُهُ آتٍ بِهِ فِيهَا مَجَازًا، إِذْ كَانَ السَّبَب. أَوْ لَهُ وَلَهُمْ، ولِمَنْ عَلِمَهُ المَعْقُولُ وَالمَنْقُولُ.

و "من": للابْتِدَاءِ مُتَعَلَّقٌ بِ: "نَأْتِي" أَوْ للتَّبْغِيض مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْ نَزْرٍ"، قُدِّمَ عَلَيْهِ مَعَ

(1) الشنواني: لم أتعرفه.

(2) الأبوصيري: محمد

بن سعيد بن

حماد

بن محس بن عبد الله الصنهاجي، الدلاصي البوصيري صوفي، ولد بدلاص، ونشأ في أبو صير، وتوفي بالاسكندرية من آثاره قصيدة الكواكب الدرية في مدح خير البرية المعروفة بالبردة. الوافي بالوفيات، 88/ 3، ومعجم المؤلفين، رضا كحالة، 317/ 3. (3) النوّارُ بالضم والتشديد كالنَّوْرِ واحدته نُوَّارَةٌ وقد نَوَّرَ الشجرُ والنبات. لسان العرب (نور).

213