إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٥

أَنَّهُ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جرٍ غَيْرِ زَائِدٍ لِلضَّرُورَة، أَوْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ ابنِ مَالِكَ: وَلَا أَمْنَعُهُ فَقَدْ وَرَدَ (1) وَمُرْهِرٍ: تَشْبِيهُ بِزَهرِ الشَّجَرِ، كَمَا تَقُولُ اسْتَأْسَدَ وَتَحَجَّرَ الطِينَ، أَوْ بِمَعْنَى: مُبَيَّضٌ بِفَتْحِ الهَاءِ،

44

أَوْ بِكَسْرِهَا بِمَعْنَى مُبَيِّضٌ لِغَيْرِهِ. وَلَوَّحَ بِالأَغْصَانِ إِلَى أَعْضَائِهِ لا لا ل، إِذْ هُوَ مَنْبَعٌ وَأَصْلٌ لِمُعْجِزَاتِهِ، كَالشَّجَرَةِ أَصْلًا لِأَغْصَانِهَا، فَذَلِكَ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ. لَقَدْ رَفَعَ الرَّحْمَنُ ذِكْرَكَ فَاغْتَدَى يُقَارِنُ ذِكْرَ اللهِ فِي كُلِّ الْازْمَانِ رأى آدم فِي الْعَرْشِ ذِكرَكَ ثَابِتَا يَلِي ذِكْرَ رَبِّ الْعَرْشِ فِي وَقْتِ إِعْلَانِ يُنَاجِي ربه مُتَضَرِّعًا بِحَقِّكَ لَمَّا أَنْ دَعَاهُ لِغُفْرَانِ [77] واللهِ لَقَد رَفَعَ الرَّحمن ذكرَكَ، وصارَ مقارنا لذِكْرِ اللهِ في كُلِّ زَمَانِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْكَ

45

46

فَبَاتَ

والْأَذانِ والإِقَامَةِ والصَّلاةِ والحُطَبَةِ والدُّخُولِ في الْإِسْلامِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ صَيْرُورَةً عَظِيمَةً. رأى آدمُ ذِكْرَكَ ثَابِنَّا فِي الْعَرْشِ مَعَ اسْمِ اللهِ فِي وَقْتِ الْجَهْرِ بذِكْرِكُما. فَصَارَ يَتَكَلَّمُ لِرَبِّهِ بِصَوْتٍ جَهِيرٍ، حالَ كَوْنِهِ مُتَضَرِّعًا بِحَقِّكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى اللهِ لَمَّا دَعَا اللهَ لِيَغْفِرَ لَهُ ذَنْبَهُ، الَّذِي هُو الأَكْلُ مِنَ الشَّجرةِ. وأَظْهَرَ اسْمَ اللهِ، وهُوَ لفظ "الرَّحمنِ"؛ لِأَنَّ الإِسْمَ الْمُقْسَمَ بهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "واللهِ"، وذَكَرَهُ باسْمِ الرَّحْمَةِ؛ لِرَغْبَتِهِ فِي الرَّحمةِ، ولَوْ أُضْمِرَ لعُلِمَ مِنَ المقام، لكنَّ الإظهار أوضَحُ. ولو ذكر المقسَمَ بهِ لكان الإظهارُ أيضًا أَوْلَى بِأَنْ يَقُولَ: واللهِ لَقَدْ رَفَعَ الرَّحْمَنُ؛ لأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ الصَّمِيرُ مِنْ جُمْلَةِ جَوَاب الْقَسَمِ إِلَى الْمُقْسَمِ بهِ.

وَاغْتدَى": مبَالَغَةُ غَدَا، وأَصْلُهُ الذَّهابُ غُدْوَةً، واستُعمِلَ في الذَّهَابِ فِي مُطْلَقِ الزَّمانِ، مَجَانٌ لِلْإِطْلَاقِ والتَّقْيِيدِ، ثمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مُطْلَقِ التَّحَوُّلِ إلى صِفَةٍ إِذْ كانَ الذَّهابُ نَوْعًا مِن التَّحَوُّلِ، فَهُوَ مَجَازٌ مَبْنِيٌّ على مَجَازِ، وَكِلَاهُمَا مُرْسَلٌ تَبَعِيُّ.

و "ال" في "الأَزْمَانِ" للْحَقِيقَةِ لَا

للْإِسْتِغْرَاقِ؛ لِأَنَّ الاِسْتِغْرَاقَ مُسْتَفَادٌ مِنْ كُلِّ قَبْله.

ونقَلَ فَتْحَ هَمْزَةِ "أَزْمَانِ" إِلَى لَامِ "الـ" ولَا يَصِحُ الْوَزْنُ إِلا بهَذا معَ حَذْفِ الهَمْزَةِ، وَلَوْ قَالَ: فِي كُل "أَزْمَانِ" بِدُونِ "الـ" لَصَحَ،

ولَعَلَّهُ أَعْرَضَ عَنْ هذا؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَى هذَا الْجَمْعِ المُنَكَّرِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى في كُل جَمَاعَةٍ مِنْ جَمَاعَاتِ الْأَزْمَانِ، بِخِلَافِ الأَزْمَانِ بِالتَّعْرِيفِ فَإِنَّهُ كَالمُفرَدِ بِ: "ال" الْحَقِيقِيَّة. لِأَنَّ الْجَمْعَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنَى الْمُفْرَدِ بِأَنْ يُقرَنَ بِ: "ال" فَلَوْ قَالَ: واللهِ لا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ لَحَنَثَ،

(1) قول ابن مالك في باب الحال: وَسَبْقَ حالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ

أَبَوْا، ولا أمنَعُهُ فَقَدْ وَرَدْ

214