إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٨

وهؤلاء الأحادِيثُ صريحة في تقديم إبراهيم الله في الكِسْوَةِ على نَبِيئِنَا، فقيل: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أَنَّهُ لم يَكُنْ فِي الأَوَّلِينَ وَلَا فِي الآخِرِينَ أَخْوَفُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ اللهِ، فَتُعَجَّلُ لَهُ كِسْوَتُهُ أَمَانًا لَهُ، وَلِيَطْمَئِنَّ

قَلبُهُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أُمِرَ بِلَبْسِ السَّرَاوِيلِ إِذَا صَلَّى، مُبَالَغَةً فِي التَّسَتُّرِ، وَحِفْظًا لِفَرْجِهِ أَنْ يمس مَصَلَّاهُ أو رِجْلَهُ أو ساقَهُ، فجُوزِيَ بأَنْ يكون أَوَّلَ مَن يُسْتَرُ. ويُحتمل أَنَّهُ أَلْقُوهُ في النَّار عاريًا بحضرة النَّاس، فجُوزِيَ بِرَدِهَا في الدُّنيا، وبتقديمه بالكسوة يوم القيامة، وبالثواب العظيم، إِذْ فُعِل بهِ ذلك الإلقاء في ذاتِ الله وعل، صابرًا محتسبا. فليس ذلك تفضيلا على سيدنا محمد الله. ورجح هذا الاحتمال الأخِيرُ، وقدْ قُوبِلَ ذلكَ البدأُ بِجَعْلِ كِسْوَةٍ أَفْضَل منْ كِسوةِ إبراهيمَ صلَّى الله وسلَّم عليهما، فكأَنَّهُ كُسِيَا معًا (1). وزادَ بِمَقَامٍ يَغْبِطُهُ بِهِ ال وغيره والله أعلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا ملجأ مِنَ الله إِلَّا إِلَيْهِ. وَفِي كُلّ كُتُبِ اللهِ نَعْتُكَ قَدْ أَتَى تِلاوَةَ عِرْفَانِ أَتَى بَعْدَ عِرْفَانِ فَتَوْرَاةُ مُوسَى وَالزَّبُورُ بِمَدْحِكُمْ وَإِنْجِيلُ عِيسَى قَدْ أَتَتْ قَبْلَ قُرْآنِ وَكُلُّ نَبِيءٍ جَاءَ بَشَّرَ قَوْمَهُ بِأَنَّكَ تَأْتِي خَاتِمَا كُلَّ الْادْيَانِ ونعتُكَ قد أَتَى فِي كل كُتُبِ اللهِ حالَ كوْنِهِ مَتْلُو عِرْفَانٍ آتٍ بَعْدَ عِرْفَانٍ. وإنْ قُلْتَ متل لي بعض تلك الكتب، ولا مَطْمَعَ فيها كُلّها، فأنا أقولُ: توراه موسَى، والرَّبورُ وإنجيل عيسى قدْ أَتَتْ بِمَدْحِكُمْ قَبْلَ مَجِيء القرآن العظيمِ بهِ.

إبراهيم

47

48

49

وكُل نَبِيءٍ جَاءَ قَوْمًا، فإنَّهُ قدْ بَشَّرَ قَوْمَهُ هؤلاء بأنَّك تأتي خاتما كل الأديانِ بدِينِكَ. و "تِلَاوَةَ": حالٌ مِنْ ضمير "نعت" في "أَتَى" بمَعْنَى مَتْلُو. وجُمْلَةُ "قَدْ أَتَى": نَعْتُ "عِرْفَانٍ". وتقديري: وإن قُلْتَ … إلخ، بِنَاءً على جَوازِ خِطابَيْنِ المُتَغَابِرَيْنِ في كلامٍ واحدٍ، نَحوُ: ضَربتكَ، خاطبتَ بالتَّاءِ زيدًا، وبالكَافِ عَمْرا، ومنه قوله تعالى: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتَ أَيْدِيكُمْ (2) عَلَى أَنَّ الكاف الأَوَّلَ للنَّبِي، والثاني لقومه، والصحيحُ أنَّ ذلك لَا يَجُوزُ، وأنَّ الكافَ الأَوَّلَ لِبَعْضِ مَنْ لَهُ الكافُ الثَّاني [78 ظ] كما تقُولُ في كلاميْنِ: لِمَ جِئْتَ وأَنْتُمْ كارِهُونَ، تُخاطِبُ بِـ "أَنتَ مَنْ دَخَلَ فِي أَنْتُمْ. الْجُمْلَةِ الاِسْمِيَّة للجُمْلَةِ الاسمِيَّة، أو يُقَدَّر شَرْطُ هكذا: فإِن قُلْتَ: يا رَسُول

فَالْفَاء عَاطِفَةٌ

على

مل لى، فأنا أقولُ: وإِنَّما قَدَّرْتُ فأَنَا أَقُولُ" لأنَّ التَّوراة والإنجيل والزبور إلخ.

(1) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخِرَة، القرطبي، 534/ 1 - 535.

(2) سورة آل عمران: 182.

217